النبطي
في يوم حار لم تسطع فيه شمس، جاء العرب من بعيد يخطبونني لواحدٍ منهم الاوان ربيع، غير أن الغبار الأصفر الآتي منذ يومین، من صحرائهم القريبة الجرداء، يهيم في كل الأنحاء فيحجب الأشياء من حولي ويطمرها. تحصنت منذ صحوت، بحجرة أمي، وبقيت في فرشتي وحيدة، مكتوفة الركبتين بالذراعين، وقد أرحت للخلف رأسي حتى مس جدار الخرابة العتيقة، اللصيقة، التي نسميها البرابي. جدارها العتيق رطب، والميل إلى الخلف يربح . دجاجات أمي، وكل دواجنه انسلت من حوش البيت إلى حجرتنا. وراحت تتحامي من الحر والغبار ساكنة فوق الأرض الرَطبة، أسفل سرير أمي وتحت دكتي، وهي تباعد ما بين أجسامها وأجنحتها، وتبقي المناقير مفتوحة. رائحة الدواجن في الحر نفاذة. أنا بالبيت وحدي، فأمي وأخي بنيامين ذهبا من قبل صحوي، إلى بيت بطرس الجابي، البيت الذي نسميه القصر، لأنه كبير ومن طابقين.
لم يسألوني عن رأيي في الخاطب العربي، لكن بلا تردد ، موافقة عليه. فقد تجاوز الثامنة عشرة من عمري، بعدة من شهور، ويكاد يأسي من الزواج يبلغ منتهاه .. آه.. تأخر علي الفرح، حتى تهرا قلبي مع تقلب الليل فوق النهار، وتعاقب حر الصيف على مطر الشتاء. تمر أيامي بطيئة، وأنا متوحدة هنا. شاحبة الروح حيري. صاحباتي اللواتي كن يمرحن حولي، تزوجن، فخلا الكفر من ضحكات العذارى ، ومن الفرحات الأولى التي دامت حتى ظننتها لا تتبدد .. لا شيء .. لا يتبدد. لم يبق في الكفر إلا الرجال الطيبون، العابسون بغير سبب، والنسوة الكادحات اللواتي ينظرن نحوي، بإشفاق يليق بعانس، والأطفال الصاخبون في الدرب طيلة النهار، بغير مرح. متى سيكون لي أطفال؟
حظي من الحياة قليل، مع اني بيضاء كقلب القمحة، وجميلة. نحيلةً قليلاً ، لكني جميلة. نسوة الكفر كن يؤكدن أني إذا تزوجت، وزاد وزني، سأصير حسناء. فعيناي الصافيتان واسعتان، لونهما لون العسل الذي يجمعونه أيام البرسيم. وتحوطهما رموش كثيفة في لون ليالي الشتاء. حاجبي العريضان، كثيفا الشعر ، وناعمان. شعري أيضا ناعم وطويل، وسميكة ضفائره. أنا لا أحب الضفائر، شعري مرسلا أبهى. كانت دميانه صاحبتي تقول إني حين أطلق وأخط بالخل رموشي، أغدو فاتنة . خصلات شعري، مثل نساء البلدة البيضاء.
دميانه كانت تعرف كلى شيء، ما يقال وما لا يقال. تزجت قبل ثلاثة أعوام، أيام كنا في الخامسة عشرة. عمرنا واحد. فقد قالت الأمهات إننا ولدنا في شهر توت، الخريفي، أول شهور السنة التي ملك فيها الملك المسمى هرقل، بلادنا الواسعة والنواحي التي حولها. تزوج دميانة، في الشهر ذاته الذي تسقط فيه، وتصفر، أوراق عروش العنب. لا تعلو لي ضحكة، من يوم ابتعدت عني. صرت من بعد رحيلها وحيدة حزينة. لكني أيام عرسها كنت فرحة من أجلها، لأنها اشتهت الزواج ككل البنات، وهامت بالأوهام.
امتدت خطبتها شهور ذاك الصيف الذي مر علينا كأنه الطيف، ثم تزوجت حين تقصفت أوراق الكرم وتغنت أغصانها والشجون. تركتني، وتركت الكفر كله، لتسكن مع الولد الممصوص الذي تزوجته، في بلدته البعيدة التي نسميها البرمون. أهل البلدة البيضاء يسمونها بيلوز، ويسميها العرب الفرما. لهذه البلدة الكبيرة، مثل كل شيء كبير، ثلاث أسماء. الوصول إلى هناك، يحتاج ركوب بغلة، تظل تسير شمالاً نهاراً کاملاً، أو أكثر. يقولون هنا: إن دميانة بعد زواجها بعام، ولدت طفلتين في بطن واحدة، ثم انقطع منها حبل الحبل. حنيني إلى دميانة، حارق. لا أستطيع السفر إليها، وهي لم تأت يوما لزيارة أمها. أنها يسميها أهل الفر: هزة. لأنها بدينة، يهتز جسمها كله حين تمشي.
المؤلف : يوسف زيدان
القسم : رويات عربية
عددالملفات : 1
الحجم : 7.62 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات