ان من المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور، فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال الى حال ولا راد لتطوره. وقد أصبح من الواجب على الواعظين أن يدرسوا نواميس هذا التطور قبل أن يمطروا الناس بوابل مواعظهم الرنانة من المؤسف أن نرى اخواننا من رجال الدين لا يفهمون هذه الحقيقة، ولهذا وجدناهم يقاومون كل تيار جديد، كان الأمر بيدهم: يقولون فيسمع الناس قولهم. والغريب أنهم حين يقاومون التيار أول الأمر يرضخون له أخيرا ويستجيبون له، رأينا كثيراً من الواعظين يحرمون السفور ثم اسفرت بناتهم بعد ذلك. ورايناهم يمنعون من دخول المدارس الحديثة ثم أدخلوا أبناءهم وبناتهم فيها زرافات ووحدانا. ورايناهم يحرمون الإستماع الى المذياع، ثم دخل المذياع في بيوتهم كانه ابليس يدخل الباب بناب الحية وهم اليوم يحرمون الرقص والتبرج والخلاعة ومن يدرينا لعلهم سيرتمون في يوم من الأيام على أنغام الجاز أو يتحدثون عن الفن في غنج عفيفة وتهزيز مارلين. 


يقال أن واعظ نصح أحد مريديه أن يخرج إبنه من المدرسة وخوفه من عذاب الله فاخرج الرجل ابنه من المدرسة حالاً وأخذ يستغفر ربه. ولكنه رای بعد مدة أن الواعظ أدخل ابنه في المدرسة من غير إكتراث. فاسرع هو الى ابنته وأدخلها في مدرسة البنات فلما جاء الواعظ يخوفه من عذاب الله مرة أخرى قال له: إخدع هذه المرة غيري يا سيدي الشيخ. والواعظ قد فعل ذلك مضطرا تحت ضغط التيار الاجتماعي المحيط به. انه حزم المدرسة أول الأمر، ولكنه مع ذلك يريد لولده مستقبلا لامعا. فلما رای الناس يحترمون صاحب الشهادة المدرسية ويفضلونه على غيره في الأعمال والوظائف، اسرع فادخل ولده في المدرسة ونسي انه كان يحرمها قبل حين والأب الذي يمنع أولاده من دخول المدرسة خوفا من عذاب الله سوف يبتلى بعذاب من الله أشد. انه سيرى ابنه قد تخلف عن أقرانه في مجال الحياة وسيجد ابنته قد جلست في البيت تبكي وتندب حظها، حيث فازت صويحباتها بالمكانة وبالراتب وبالزوج أيضا، بينما هي باقية في البيت حليفة الخيبة. يقول الامام علي: «لا تعلموا أبناءكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم» وهذه لعمري لحكمة بالغة. 


والأمام يشير بها الى أن المجتمع في تطور مستمر، فالعادة التي تصلح لزمان قد لاتصلح لزمان آخر. على الواعظين أن يفحصوا قوة التيار قبل محاولتهم أن يقاوموه، أن عليهم بعبارة أخرى أن يفهموا أو يسكتوا عندما إحتك المسلمون بالحضارة الغربية إنجرفوا بتیارها، وصاروا مجبرين على اقتباس ما جاءت به حسنا كان أم سيئة. ومن غرائب ما ارتآه الواعظين في هذا الأمر أن قالوا: خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه، كان المسالة أصبحت انتقاء طوع الارادة كمن ان الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن  بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها، وليس في الامكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء. و معنى هذا أنها تیار جارف لايمكن الوقوف في وجهه. 


وقد حاول الامام يحيي، رحمه الله أن يصمد في وجه هذا التيار فمنعه من اختراق حدود اليمن باي ثمن. انه منع كل شيء ياتي اليه من الغرب، حيث أدرك بان دخول شيء يسير يؤدي الى الحاق الشيء الكثير وراءه عاجلاً أم آجلاً ولكن تلك كانت فترة مؤقتة، لا يمكن أن تستمر زمنا طويلا. فالتيار اتوی من أن يعده صاد ولو طال به الزمان. ثم جاء وقت احتاج به الامام الى دواء من الغرب يعالج مرضه أو سيارة تحمله في تنقلاته أو تليفون يتصل به بمن يحب، أو سلاح يحارب به خصومه. وهذه الحاجة تزداد على من الزمان واليمن واقعة تحت وطأة الحضارة الجديدة لامحالة، سواء ارادت ذلك أم كرهت. وعند هذا تأتيها الحضارة بجميع ما فيها من وسائل نافعة وآفات ضارة ولا مناص من ذلك.


وآن ذاك ستهب المرأة هنالك كما هبت هنا تطالب بحقوقها وتنشد المساواة. والمراة ستدخل المدرسة أول الأمر حيث تبقى محتفظة بالحجاب. فاذا تعلمت طلبت الوظيفة. واذا توظفت اسفرت عن وجهها. واذا أسفرت تبرجت - كل سلور يجر وراءه الطور الذي يليه. ما حدث هنا يحدث هناك، والتطور الاجتماعي يسير في كل بلد على منوال ما سار عليه في بلد آخر. تلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا والانسان في حياته الاجتماعية لا يهمه امر الحلال والحرام الذي ياتي به الواعظون. همه أن يجد لنفسه ولأولاده المعاش والمكانة الاجتماعية فاذا احترم الناس المتمدن صعب على الأب أن يمنع أولاده من السعي في سبيل هذه المكانة المرموقة ولو جاء يردعه جبريل عليه السلام. ان الحضارة الغربية مغرية وهي جبارة تسحق من يقف في طريقها ومما يجدر ذكره انها ليست خاصة باهل الغرب وحدهم. 


هي بالأحرى حضارة عالمية ساهم في انشائها الشرق والغرب. وهي اليوم تتغلغل في مختلف انحاء الارض وتصل باثرها الى أقصى مكان واذا دخلت هذه الحضارة في بلد صعب على الفرد فيه أن يمتنع عنها. أنها تعطي المرء رزقا ورفعة بين قومه ولهذا لن يجد الناس بدا من الانتثال عليها والتنافس فيها. واذا وجد الناس واعظاً يمنعهم عنها عصره وسخروا به. لا سيما اذا وجدوه أخيرا يقترف ما كان ينهاهم عنه. الست اريد بكتابي أن أمجد الحضارة الغربية أو أدعو اليها. انما قصدي آن واذا وجد الناس واعظا يمنعهم عنها عصر، وسخروا به، لا سيما اذا وجدوه أخيرا يقترف ما كان ينهاهم عنه لست أريد بكتابي أن أمجد الحضارة الغربية أو أدعو اليها. انما قصدي آن أقول: انه لابد مما ليس منه بد.


فالمفاهيم الحديثة التي تاتي بها الحضارة الغربية آتية لاريب فيها وقد آن الأوان لكي نفهم هذه الحقيقة قبل فوات الأوان اننا نمر اليوم بمرحلة انتقال قاسية، ونعاني منها آلاما تشبه ألام المخاض. فمنذ نصف قرن تقريبا كنا نعيش في القرون الوسطى. ثم جاءتنا الحضارة الجديدة فجاة فاخذت تجرف امامها معظم ما الفناه ونشانا عليه. ولذا نجد في كل بيت من بيوتنا عراكة وجدا بين الجيل القديم والجيل الجديد. ذلك ينظر في الحياة بمنظار القرن العاشر وهذا يريد أن ينظر اليها بمنظار القرن العشرين. كنا ننتظر من المفكرين، من رجال الدين وغيرهم، أن يساعدوا قومهم في ازمة المخاض هذه، لكنا وجدناهم على العكس من ذلك يحاولون أن يقفوا في طريق الأصلاح ويضعون على الأبالة ضغثاً جديداً.


المؤلف : الدكتور علي الوردي 


 القسم : كتب متنوعة 


 عددالملفات : 1


 الحجم : 5.60 MB 



يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى