لا يذكر جميل إلا تبادر إلى الذهن ذلك الحب العذري الذي شهر به أبناء عذرة قبيلة الشاعر ، حتى قيل إنهم كانوا إذا أحبوا ماتوا ، لما هم عليه من الصدق والاخلاص ، ولما اتصفوا به من العفاف وكبح النفس عن شهواتها إذا اجتمعوا بمحبوباتهم ، على ما يلقون من الإبعاد والحرمان . لأن الشاعر منهم كان يحب الفتاة فيتغزل بها ، فيفتضح أمرها ، فإذا خطبها إلى أبيها ، رده خائباً مخافة التعيير لئلا يقال إنه زوجها به ستر لعارها . 


ثم لا يلبث أن يزفها إلى أول طالب يرتضيه لها ، ليجعلها محصنة في حمى بعلها ، فيصبح الشاعر كلفة بحب امرأة متزوجة ، لا يجوز له أن يستبيح حرمها ، فتمتد يد السلطان إلى معاقبته والاقتصاص منه . ولكنه عاشق متبول لا يقوى على مغالبة هواه ، ولو كان فيه هلاکه ، فيسعى إلى الاجتماع بها سرا على غرة من أهلها ، حتى إذا عرفوا بأمره شددوا في حجبها عنه ، وشکوه إلى الوالي ، فيهدده ويتوعده ، ثم يهدر دمه ، فيهرب منه هائماً على وجهه ، يجوب القفار ، وينشد الأشعار ، حتى يأتيه الموت فينقذه من عذابه .


وجمیل بن عبد الله بن عمر العذري أصابه ما أصاب غيره من هؤلاء الشعراء التاعسين . فقد أحب بثينة بنت حبا بن حن بن ربيعة ، من عذرة ،فهي ابنة عمه تلتقي وإياه في حن من ربيعة في النسب . وكانا يقيمان في وادي القرى ، وهو موضع في الحجاز قريب من المدينة ، وقيل إنه أحبها وهو غلام صغير ، وهي جويرية لم تدرك . ويروون على ذلك خبراً مستطرفاً ، قيل فيه إن جميلاً أقبل يوماً بأبله ، حتى أوردها وادياً يقال له بغيض، فاضجع وأرسل الإبل مصعدة ، وأهل بثينة بذيل الوادي ، فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين ، فمرتا على فصال الجميل بروك ، فضربتهن بثينة عابثة . فأثخنتهن، فسبها جميل ، فردت عليه شتيمته ، فاستملح سبابها و أحبها وفي ذلك يقول :

وأول ما قاد المودة بيننا ... بوادي بغيضٍ ، یا بثين سباب. 

فقلنا لها قولاً ، فجاءت بمثله ... لكل كلام  يا بثين جواب. 

على أن أخبار جميل وأشعاره تدلنا أن بثينة لم تكن أول من أحب من النساء ، فقد تعشق قبلها أختها أم السير أو أم الحسين ، على اختلاف الروايات فيها . فمن ذلك قوله ينسب بها :

ألم تسأل الدار القديمة : هل لها بأم جسير ، ، بعد عهدك ، من عهد.

وقوله أيضا :وقوله أيضاً :

يا خليلي ، إن أم حسين ... حين يدنو الضجيع من علله. 

روضة ذات صفوة وخزامى... جاد فيها الربيع من سبله.


فلما علق بثينة شغلته عن سائر النساء ، فوقف قلبه وشعره عليها ، يذکر اسمها مرة ، ويكني عنه مرة باسم آخر ، حتى شهر بها و شهرت به ، فقيل : جميل بثينة . وتحدث بهما الناس القبيلة وخارج القبيلة فلما جاء يخطبها إلى أبيها ، ضن" عليه بها ، لئلا يلحقه عارها ، وآثر تزويجها فتى من عذرة يقال له نبيه بن الأسود . وفيه يقول جميل :

لقد أنكحوا جهلاً نبيهاً ظعينةً ... لطيفة طي الكشح، ذات شوی خدل.


وزاده زواجها ولها بها ، فأخذ يزورها خفية في بيت بعلها ، ويشبب بها في إذا جاءها ، وتساعدها أخواتها على الاجتماع به ، ويحتلن على زوجها ووالدهن ، فيصرفنهما عنها ، إذا طلباه عندها . وتعرض له أهلها وأنسباؤها غير مرة للإيقاع به ، فكان يدفعهم عنه معتزا بسيفه وشجاعته ، لا يبالي تأليهم عليه ، وفي ذلك يقول :

فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي ، يا بثين ، لقوني. إذا ما رأوني طالعة من ثنية ... يقولون : من هذا ؟ وقد عرفوني. 

ولم يقتصر الأمر عليهم بل تصدى له الشعراء من بني الأحب رهط بثينة يهجونه عبيد الله بن قطبة وأخيه جواس . وعمير بن رمل وسواهم ، فرد عليهم جميل ، وبلغ من هجائهم ما بلغوا من هجائه.


 القسم : دواوين شعرية 

 عددالملفات : 1

 الحجم : 1.31 MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى