ظل اختفاء سبيل أرملة حيدر مسار الحديث في وادي النسالی الأيام كثيرة، قبل أن يتلاشى يوماً بعد يوم . حتى صار كأنه أمر تناساه الجميع، عدا غفران التي بدا على وجهها أنها لم ولن تنسى ما حدث أبدا، وإن كان حديثها عن ذلك الأمر لم يعد كثيرا مثلما كانت تفعل بالأيام الأولى بعد اختفاء تلك الفتاة .. ما كان باديا للغاية أن الجهد الذي ستبذله لاحقاً لبث الأمل من جديد في القلوب اليائسة سيكون أضعافاً مضاعفة من الجهد الذي بذلته خلال السنوات الماضية في ذلك الوادي

أما بالنسبة لريان فكان يظهر بين الحين والآخر ويختفي إن جاء أي من ضباط الأمن برفقة أحد الأشراف المشاكسين إلى الوادي .. شعرت من الحديث معه ذات مرة أن داخله بات يؤمن بأنه اقترب للغاية من الموت على منصة جويدا، مثله مثل ناردين التي أخبرتني عن امتلاكها الشعور ذاته .. فلم أتخذ قراراً واضحاً .. لم أعلم للحظة واحدة إلى متى سأبقى في الوادي .. كذلك لم أجد عودتي إلى بني عيسى ستكون بالأمر المريح لي، بالطبع هناك عائد صار جيدا بعد سنواتي هناك، لكن من أجل ماذا؟ .. أن تبقى مدى الحياة في تلك الدائرة، ماذا سيفيد المال وقتها ؟! .. كما أنني وعدت غفران بالبقاء معها، هي تستحق الدعم بكل تأكيد وفي هذا التوقيت أكثر من أي وقت مضى .. وإن لم أجن شيئاً من بقائي هنا سوى الراحة التي سكنت داخلي مع البقاء جوار هذه المرأة القوية. كل ما كنت أخشاه أن أفقدهم جميعاً لحظة واحدة .. هذا ما كنت أتوقعه، كذلك تتوقعه غفران .. سيأتي يوم ستكون فيه غفران أعلى المنصة من جديد، لكن هذه المرة لن تكون الرامي، ستكون هي المذنبة التي تتلقى طلقة البارود بين حاجبيها.


في النهاية اتخذت قراري بأن أبقى ي جارتين إلى أجل لم أحدده، وأكملت وعدي لغفران بالذهاب إلى باحة جويدا كل يوم غفران من أجل مراقبة القائم الجانبي لعل آدم يفعلها من جديد ويتسلقه، أو أعثر عليه صدفة بين المتز احمين . . وذهبت إلى أيام الغفران يوما تلو الآخر ،، حضرت الأيام التي أعدم فيها باقي فتيان المدرسة الأحد عشر، ومن بعدها أيام غفران أخرى أعدم بها نسالى آخرون لم يكن جميعهم من الوادي الذي نسكن فيه، لكن القائم الجانبي بقي خاويا كعادته، ولم يظهر الفتى من جديد.مع كل مرة كنت أذهب فيها إلى الباحة كنت أرى كم السعادة على وجوه الأشراف بتلك الإعدامات، كذلك إعجابهم بذلك الضابط ذي الشعر الرمادي والعينين الزرقاوين الذي اعتاد اعتلاء المنصة مع كليوم غفران دون أن يكون راميها، ليقف بطوله الفارع وكتفيه العريضين على جانب المنصة بكل فخر وتباه . . كنت أعرفه جيدا بعدما كان سبيا في اعتقال فتية المدرسة وكذلك تلك الندبة التي تركت أثرها على كتف غفران في تلك الليلة الحزينة .. سمعت في اليوم الأخير لي هناك امرأة شابة تنظر نحوه وتقول بسعادة لمن تجاورها : إنه الفارس كيوان .. سمعته يقسم ذات مرة أنه لن يعبر سنواته الخمسين إلا وقد قدم كل النسالى المجرمين إلى المنصة وأولهم الخائنة. كنت أعرف أنها تقصد غفران، قبل أن تكمل في إعجاب شديد لمن تحدثها:

- انظري إليه.

كان الشر البادي على وجهه الجامد يجعلني أشعر أن الأيام القادمة مع وجود ذلك الفارس الذي لم ينس لغفران قط تفوقها عليه في مدرسة الضباط واقتناصها منصب رامي المنصة منه ستكون صعبة عليها للغاية .. حسنا أيها الكيوان، لنرى ماذا ستفعل مع امرأة بذكاء سيدة النسالى، يساعدها رجل قذفته الأقدار من بلاد الهضبة الوسطى إلى بني عيسى إلى واد من المنبوذين هنا، فصار زاهدا فو الحياة لا ينتظر منها شيئا.هكذا مضت أيامي في وادي النسالى في إطار شبه ثابت بين العيادة التي بناها لي ريان وصارت وجهة مرضى النسالى، وأيام الغفران التي لم أفوت منها يوماً واحداً ، ولقاءاتي مع غفران للحديث معها عما تنوي فعله في الأيام التالية.


المؤلف : عمرو عبدالحميد 

 القسم : روايات عربية 

 عددالملفات : 1

 الحجم : 17.20MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى