قواعد چارتين 1
كل رجل ينهار عند نقطة معينة
كانت هذه هي جملتي الأخيرة التي كتبتها بأوراقي قبل أن يطلق القطار صافرته ويعلو صخب حركته معلناً رحيلي عن بلدتي. اسمي فاضل أمين زيدان، طبيب بشري، تخرجت قبل ثلاث سنوات من الجامعة الجنوبية، جنوب بلاد النهر القديم، شاب ريفي طموح في بلاد غير طموحة بالمرة، يقول التاريخ أنها كانت غير ذلك قبل قرون طويلة لكنها اليوم ليست إلا مزيجاً من الفقر والجهل والخراب .. تقدمت بأوراقي للعمل بأكثر من مستشفى أو دعني أقل خرائب المستشفيات، ولم يتم قبولي، كعادة باقي الوظائف لا تستطيع البلاد دفع مقابل لعاملين جدد، ولأن الناس لا يستطيعون العلاج على نفقاتهم صار الفشل مصير كل مشاريعي الطبية الخاصة ولم يعد إلا الرحيل.. إلى أين؟..
لم أكن أعرف إلى أين، قبل ذلك اليوم حين جاءني صديقي وأخبرني أن بلادنا تريد إرسال أطباء إلى إقليم غربي بعيد لم أسمع عنه من قبل يسمى «بنو عیسی»، ومع الضائقة المادية التي حلت كانت تلك الوظيفة البعيدة طوقي للنجاة وإن كان مؤقتاً . قدمت أوراقي، وبالفعل تم قبولي بين المتقدمين، في الحقيقة لم يكن هناك متقدمون للوظيفة غيري، ولم يستلزم قبولي أكثر من دقائق قليلة، أخبرني ذلك الأشيب الذي كان يحاورني أنني قبلت وأنه على اللحاق بالقطار الحربي الذي يشق الصحراء الغربية للنهر القديم، من يعملون به يعلمون جيداً الطريق إلى ذلك الإقليم .. وفور وصولي هناك سألتقي من تدبر أموري المادية . . لأجد نفسي أجلس بأرضية عربة قطار شبه مظلمة يهتز جسدي بين كثيرين من الجنود نحيلي الأجساد . محمري الوجوه والأذرع، في انتظار إشارة أحدهم لي باقتراب القطار من مكان عملي الجديد.
كانت عيناي قد غلبهما النعاس مع سكون العربة واختناق هوانها برائحة جوارب الجنود قبل أن يلكزني أحدهم يحمل مصباحاً زيتياً لأنهض، ويسألني أن أحمل حقيبتي وأتبعه إلى باب العربة .. ما كنت أخشاه قد حدث بالفعل، لقد تزامن موعد وصولي إلى ذلك المكان الغريب مع منتصف الليل .. حاولت أن أتحدث إلى الجندي فأشار إلي كي أصمت، وأشار بسبابته إلى أذنه كأنه ينصت إلى شيء. وطالبني أن أنصت أنا الآخر، كان صدى صوت بعيد لطبول تدق ومزامير يأتي من خلف الجبال على جانبي السكة الحديدية .. كان يزداد شيئاً فشيئاً مع تقدم القطار .. ثم همس إلي بعدما أدرك أنني سمعت الصوت ذات - يقولون أن أفراحهم لا تتوقف أبدا . فأومات إليه برأسي إيجاباً وعيناي تقولان ماذا أفعل؟! فقال : سيضطر القطار إلى الإبطاء بعد قليل - سألته لن يتوقف؟! ... قال : لا .. عليك أن تقفز حين أخبرك .. فنظرت إليه في دهشة مما يقول، فأكمل في برود : ليس هناك حل آخر ... ولم تمض بضع دقائق حتى أصدرت عجلات القطار صريراً شديداً وأبطأ من سرعته، فنطق الجندي إلي بلهجة آمرة - اقفز ..
المؤلف : عمرو عبدالحميد
القسم : روايات عربية
عددالملفات : 1
الحجم : 37.04

إرسال تعليق
0 تعليقات