إن المشهد المعاصر، إزاء «العقل والعقلانية» - محلياً.. وعالمياً - يشهد بتعدد المواقف وأحياناً تناقضها إزاء العقل والعقلانية. سواء في الموقف المبدئ أو في المقصود والمراد من هذه المصطلحات... وإذا شئنا تصنيفاً إجمالياً للمواقف والمذاهب المعاصرة إزاء «العقل والعقلانية» فإننا واجدون. 


١ - تياراً نصوصياً يقف أصحابه عند ظواهر النصوص، ويتنكرون للنظر العقلي.. بل ويخلطون بين «العقل» وبين «الهوى» كما لا يميزون بين مفاهيم العقل والعقلانية  لدى مختلف المذاهب والفلسفات والديانات والحضارات.


۲ - تياراً باطنياً يدعى التصوف لكنه أقرب إلى «الغنوصية - الباطنية» التي اعتمدت على «الحدس» دون العقل والنقل والتجارب الحسية. ولذلك تنكر هذا التيار الباطني للعقل والعقلانية، كما أعتمد في التعامل مع النصوص الشرعية على التأويل العبثي، الذي لا ينضبط بضوابط اللغة وثوابت الاعتقاد والمحكم من النصوص.


٣ - تياراً حداثياً غربياً له امتدادات متغربة في واقعنا العربي والإسلامي ذهب إلى تأليه العقل، فجعل شعاره: «لا سلطان على العقل إلا للعقل وحده »! وبذلك أضفى على سلطان العقل وقدراته طابع الإطلاق« مخالفا بذلك دعوته إلى النسبية التي أراد لها أن تشمل الوحي والدين ولقد قاد هذا «الغرور العقلاني» هذا التيار التغريبي إلى مخاصمة النص الديني الإسلامي، وافتعال معركة وهمية بين العقل والنقل ، وذلك تقليداً لما عرفته المسيرة الحضارية الغربية، دون إدراك للتمايز الديني والحضاري الإسلامي، الذي جاء النقل فيه معجزة عقلية. والذي تقرر لغته العربية أن المقابل «للعقل» ليس «النقل» وإنما هو «الجنون» !


٤- تيار ما بعد الحداثة: الذي يحاول التمدد على أنقاض الحداثة الغربية داعيا إلى تفكيك منظوماتها ومسلماتها الكبرى حول «العقل» و«العلم» و«التقدم».. والذي لا يقدم للإنسان سوى «العدمية» و«الفوضية» ذات المنطلقات التلمودية - التي تصيب الإنسان بالشك العبثي في كل شيء، ومن ثم تحرمه من أي لون من ألوان «الأمل» و«الطمأنينة» و«اليقين»! 


٥ - أما التيار الخامس: الذي تتميز مواقفه إزاء «العقل والعقلانية» فهو تيار الوسطية الإسلامية، الذي يقيم عقلانيته على كتابي «الوحی» و«الوجود».. على نور الشرع ونور العقل، لتكون عقلانيته هذه عقلانية مؤمنة متوازنة العقل فيها هو الأساس، والدين فيها هو البناء على هذا الأساس المتين من الفقه والوعي بالشرع الذي نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين -عليه الصلاة والسلام.

          

٥ - في هذا الكتاب الذي تقدم بين يديه دراسة عن العقل والعقلانية في الإسلام.. وتراثه.. وخارج إطار الإسلام. ونصوص تراثية قديمة وحديثة تمثل نماذج لديوان العقلانية في تراث الإسلام. إنه إسهام يحاول إبراز معالم هذه القضية، التي تمثل المدخل الأساسي والشرط الأول لحسن التعامل مع الدين والدنيا.. ومن ثم المنهاج العلمی الذي نجدد به ديننا الإسلامي لتتجدد به دنيا المسلمين.


المؤلف : د. محمد عمارة 

القسم : الفكر الإسلامي 

عددالملفات : 1

الحجم : 10.93 MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى