لم يخل عصر أدبي في حياة الأم ، التي كان لها نصيب من الأدب وحظ في إتقان القول وإجادته ، من هذه المسألة «مسألة القدماء والمحدثين»، ولم تظهر هذه المسألة في عصر من العصور أو عند أمة من الأم ، إلا أحدثت خلافاً عظيماً وجدالا عنيفاً ، وقسمت الأدباء على اختلاف فنونهم الأدبية أقساماً ثلاثة : قسم يؤيد القدماء تأييداً لا احتياط فيه ، وقسم يظاهر المحدثين مظاهرة لا تعرف اللين ، وقسم يتوسط بين أولئك وهؤلاء ، ويحاول أن يحفظ الصلة بين قديم السنة الأدبية وحديثها، وأن يستفيد من خلاصة ما ترك القدماء ، ويضيف إليها ما ابتكرت عقول المحدثين من ثمرات أنتجها الرقي ، وأثمرها تغير الأحوال وتبدل الظروف. 

كذلك كانت الحال قديماً ، وكذلك كانت الحال في هذا العصر الذي نعيش فيه . وفي الحق أن الاختلاف بين القديم والمحدث ليس مقصوراً على الأدب وحده ، وإنما هو يتناول كل شيء ، يتناول الفن والعلم ، ويتناول الفلسفة ، ويتناول الحياة نفسها في فروعها المختلفة المادية ، والسياسية والاجتماعية ؛ وذلك معقول ، لأن الحياة الإنسانية كما قلنا غير مرة ، تقوم على أصلين لا ثالث لهما ولا محيد عنهما ، هما البقاء من ناحية ، والاستحالة من ناحية أخرى. فنحن بحكم البقاء وحاجتنا إليه ، مضطرون إلى أن نصل بين أمس واليوم والغد ، مضطرون إلى أن نصل بين القديم والجديد مضطرون إلى أن نشعر بأن حياتنا الآن هي إن لم تكن نفس حياتنا قبل الآن ، فهى أثر قوی من آثارها ، ونتيجة لازمة من نتائجها.

ونحن بحكم الاستحالة والتطور مکرهون على أن نشعر بأن يومنا يغاير أمسنا، وبأن حياتنا الآن أن أشبهت حياتنا أمس من وجه أو وجهين فهی تغاير من وجوه . وإذن فنحن بين الشعور بالبقاء والحاجة إليه ، وبين الشعور بالتطور والحاجة إليه ، مترددون في ميولنا وأهوائنا وآرائنا . فنا من يؤثر هذا الشعور بالبقاء فيغلبه على كل شيء في نفسه ، حتى تصبح غايته الحقيقة ألا يكون إلا ابن أمسه ، وإلا حلقة من حلقات هذه السلسلة المتصلة التي لا نعرف لها أول ولا آخر ، وهی سلسلة الحياة . ومنا من يؤثر هذا الشعور بالتطور والاستحالة، فيكلف بالجديد ويرغب فيه ، وبندفع في هذه الرغبة وذلك الكلف ، فلا يفكر إلا في شيء واحد : هو أن يعدو ، وأن يعدو ما استطاع إلى الأمام، دون أن يقف فيفكر في حاضره ، أو أن يلتفت فينظر إلى ماضيه ويشتد الخلاف ويعظم بين هذين الطرفين المتناقضين ، بين أنصار القديم المسرفين في نصره ، وأشياع الجديد الغلاة في التشيع له : يشتد هذا الخلاف ويعظم ، حتى يشعر به أوساط الناس وجماعاتهم المختلفة التي تخضع للحياة وتحياها هادئة وادعة غير شاعرة بتطور ولابقاء ، وإنما هي محققة لهذين الأصلين تحقيقا طبيعيا غير متكلف ولا منتحل . تشعر هذه الجماعات الوسطی بما بين هذين الطرفين المتناقضين من جدال عنيف وخلاف عظيم ، فتوسط بينهما ، ويظهر منها هذا القسم الثالث الذي هو خلاصة الأمة ، والذي هو المحقق الوحيد لاعتدال الطبع وصفاء المزاج ، والذي هو المحقق الوحيد للصلة الصحيحة المنتجة بين القديم وبين الحديث نجد هذه النظرية في كل ضرب من ضروب الحياة العامة ، عقلية كانت أو شعورية ، سياسية كانت أو اجتماعية ، وهي منتجة نتائج تختلف قوة وضعفا باختلاف موضوعاتها .


 فأما نتائجها في الحياة الأدبية فهينة سهلة محتملة لا تتجاوز الخصومات اللفظية إلا قليلا وكذلك الحال في الحياة العقلية الفلسفية . فأما في العلم فانتصار الجديد يسير محقق ، لا خوف عليه ولا شك فيه ، الأن العلم قد أصبح أقل الأشياء الإنسانية استعدادا للخلاف والمناقضات . ولكن هذه النظرية إذا ظهرت في الحياة الاجتماعية والسياسية أنتجت في أكثر الأحيان أقبح الآثار وأسوأها ، لأن الحياة الاجتماعية والسياسية هما أشد ضروب الحياة مسيسا بالمنافع على اختلافها والمصالح على تبايها ، والإنسان بطبيعته عبد لمنفعته ، يبذل فيها حياته طيب النفس قرير العين . ومن هنا لم نعلم أن خلافة أدبيا في أسلوب الشعر والنثر ، أو أن خلاف في نظرية من نظريات الفلسفة ، أو أصل من أصول العلم ، أحدث ثورة سفكت فيها الدماء، واز هقت فيها النفوس، واختل لها نظام الأمن، في حين كان الاختلاف في تقسم التروة ، أو في نظام الحكم - وسيظل دائما مصدر هذه الثورات التي أشرنا إليها. 


وما لنا نذهب بعيدا ، ونحن لا نعلم أن شاعرا قتل شاعرأ آخر لأنه يخالفه في الوجهة الشعرية ، أو أن فيلسوفة قتل فيلسوفة آخر لأنه يخالفه في أصل من أصول الفلسفة ، لا لا نعلم من هذا ، ولكنا نعلم أن الفرد قد يقتل الفرد ، وأن الجماعة قد تعلن الحرب على الجماعة ، لخلاف مصدره السياسة أو مصدره المال . لا تذكر على الخلافات الدينية التي أحدثت الثورات وضروب الاضطهاد ، فما أحدثت هذه الثورات من حيث إنها اختلافات في الحياة العقلية أو الأدبية أو الفنية الخالصة ، وإنما أحدثها من حيث إنها اختلافات في ضروب الحياة الاجتماعية والسياسية نفسها. 


المؤلف : طٰه حسين 

 القسم : التاريخ 

 عددالملفات : 1

 الحجم : 6.64 MB 


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى