حصاد الكروم

من قمة التل الصغير ارتفع صوت السيد "فرانسوا روكـفـيـار" يخاطب حاصدات العنب اللاتي انتشرت على طول الطريق المتحدر، يخففن الكروم من أثقال عناقيدها السوداء : - لقد أقبل الليل، فهيا إلى جولة أخيرة . قالها صاحب الضيعة في صوت رقيق- ولكنه آمر- بعث النشاط في الأيدي، وحتى من جديد ظهور العاملات المتباطئات فإذا بهن قد أقبلن على العمل .. ثم أضاف السيد في لهجة - إنهن في الصباح أكثر خفة ورشاقة من العصافير، فإذا أقبل العصر تحولن إلى ثـرثـارات ! واستثارت هذه الملاحظة ضحكاتهن جميعا فأجبن في صوت واحد : أجل، أيها السيد المحامي ، لم يكن صاحب مزرعة "البرج" بخاطب من فلاحيه إلا بهذا اللقب، وكانت المزرعة ضيعة جميلة، تتألف من قطعة واحدة عبارة عن غابات وحقول وكروم، تقع في أقصى مقاطعة "كونيان"، على مسافة ثلاثة أو أربعة كيلو مترات من مدينة "شامبيري"، 


ويمكن الوصول إليها بالسير في طريق زراعي وعبور قنطرة قديمة قائمة على نهر "ألايير" ذي المياه المنخفضة، وهي تطل على الطريق المؤدي إلى مدينة "ليسون"، الذي كان فيما مضى يربط مقاطعة الـ "سافوا" بالأقاليم الفرنسية المجاورة، عبر صخور "إيشيل" المنحوتة. وقد أطلق عليها اسم مزرعة "البـرج" نسبة إلى برج قديم كان يتوج قمة تلك الصخور، ولم يبق منه الآن أي أثر، وتملك المزرعة منذ قرون عديدة أسرة "روكفيار" التي دأبت على توسيع رقعتها شيئا فشيئا، كما يدل على ذلك المنزل الريفي المقام فيها، وسائر المباني التي تتكون من وحدات وحـجـرات غـيـر متجانسة، وإن كانت "معبرة" كوجه الشيخ الذي تتلخص في تجاعيده حياة بأكملها .. فهنا يتمثل ماضي أسرة عريقة، وفية لأرض الآباء والأجداد . 


وقـد كـان آل "روكفيار" جميعا أب عن جد من رجال القانون . فكان منهـم نقباء للمحامين، وقضاة، ورؤساء المجلس الشيوخ الإقليمي القديم .. كما كان منهم مستشار في محكمة الاستئناف الجديدة بلغ به تعلقه بموطنه، وحرصه على أن يموت في مسقط رأسه جدا جعله يرفض كل ترقية .. ومن هنا درج أهل البلدة على اعتبار أسلاف "روكفيار" جميعا... بلا تفرقة من المحامين، مستمدين من تسميتهم هذه معنى الحماية وقد زاد من جدارة المالك الحالي للضيعة السيد "فرانسوا روكفيار - بهذه التسمية أنه مارس مهنة المحاماة زهاء أربعين عاما، اكتسب خلالها إلماما دقيقا بالقانون، ولسانا ذريا بليغا في الدفاع! وكانت كروم العنب متراصة في صفوف منتظمة، تجعل مهمة الإشراف على الحصاد سهلة، وكان اللون الذي اصطبغت به أوراق الكروم ينبئ بحلول شهر تشرين الأول (أكتوبر)، وفوق التلال بدت الأرض أقـوى سيدة في مواجهة السماء الشاحية. 


ومن خلال الأغصان الوضاءة كانت عناقيد العنب القائمة تسترعي الالتفات، وكانت حـاصـدات العنب وهن يسـرعن الخطى- وقد شهرن في أيديهن السكاكين المخضبة بعصير العناقيد - يشبهن الكهنة الذين يعالجون الذبائح بضربة قاضيا فإذا ما هـوت العناقيد تحت ضرباتهن القين بها في السلال ، وكن جميعا يرفعن ملابسهن ويثبته الخلف لتسهل عليهن الحركة فوق تلك الأرض الرخوة، وقد عصبن رؤوسهن بمناديل تقب وبين وقت وآخر، كانت الواحدة منهن تنصب قامتها فتبرز فوق مستوى الكـر كة التي تقفز فوق سطح الماء لتتنفس قليلا ثم تغوص في جوف الماء من جديد، وكانت جائز مقوسات الظهور، مجعدات الوجوه، بطيئات الحركة يابسات الأحسام، ومع ذلك فقد كن يتمتعن بقدرة على التحمل، وبيقظة واعية لكل ما كان يدور حولهـن؛ حرصا منهن على الاحتفاظ بآخر فرصة لهن في العمل بعد أن لم يعد يستخدمهن أحد . 


كما ضمت صفوف الحاصدات فتيات في نحو العـشـريـن أكثر انتصابا في القامة وخفة في الحركة من الأخريات، وقد عرضن- بلا خوف وجـوهـهـن وسـواعـد هـن عـاريـة لـوهج الشمس الذي راح يلثم بشرتهن، وكانت هناك إلى جانبهن- صبايا لم يكتمل نموهن بعد؛ فهن أقل جلدا على العمل، يقفزن من مكان إلى مكان، فيحدثن اضطرابا في الصفوف، أو يجلسن في دعة وهدوء وقد غمرتهن غبطة التلميذات الصغيرات في الأقسام الداخلية من المدارس، حين يسمح لهن بالخروج في يوم العطلة المدرسية، وقد انثنت أعطافـهـن انشـناءة أغـصـان الكروم الرخصة في أيديهن!..


المؤلف : هنري بوردو 

القسم : الأدب العالمي 

عددالملفات : 1

الحجم : 4.20 MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى