موت الرجل الوحيد على الأرض
قبل أن يظهر ضوء الشفق الأحمر من فوق رؤوس الأشجار البعيدة ، وقبل أن يرتفع في الظلام صياح ديك أو نباح كلب أو نهاق حمار ، أو صوت الشيخ حمزاوي يؤذن لصلاة الفجر ، قبل كل هذا يفتح الباب الخشبي الكبير ، محدثاً ذلك الصرير كصرير الساقية العتيقة ، ويظهر شبح طويل ، مشوق ، مرفوع الظهر ، يمشي على ساقين مشدودتين في خطوات ثابتة قوية ، ومن خلفه شبح يمشي على أربع سيقان مرتخية بطيئة كسولة. يختفي الشبحان في الظلمة بين البيوت الطينية ثم يظهران فوق جسر النيل . في ضوء الفجر ، يبدو وجه زكية نحيلاً شاحباً وصارماً . شفتاها مطبقتان في إصرار من يرفض النطق ، وعيناها واسعتان مرفوعتان في تحد أشبه بالغضب، أو غضب أشبه بالتحدي . من خلفها يظهر وجه الجاموسة طويلاً ونحيلاً وشاحباً أيضاً ، لكنه ليس صارماً ، وعيناها واسعتان مرفوعتان أيضاً ، ولكن نظرتها منكسرة شبه مستسلمة للقضاء والقدر.
يسقط ضوء الفجر على وجه النيل ، فتبدو أمواجه الهزيلة كتجاعيد وجه عجوز صامت وحزين ، مياهه الراقدة في القاع تبدو ساكنة ولا تتحرك ، أو هي تتحرك حركة واهنة ضعيفة غير محسوسة ، كحركة السحاب أو كحركة الزمن والهواء أيضا حركته بطيئة ، يهز رؤوس الأشجار بحركة تكاد لا ترى ، وذرات التراب الرقيقة تتطاير من فوق الجسر إلى المنخفض ، حيث ترقد البيوت الطينية السوداء ، بنوافذها الصغيرة المغلقة ، وأسطحها المنخفضة المتعرجة ، تعلوها أكوام الحطب والقش والجلة ، و تهبط إلى الأزقة الملتوية المسدودة اكوام السباخ ، ثم تستقر في النهاية على وجه الترعة ، تعلوها طبقة معتمة شبه طينية .
تظل زكية تمشي ومن خلفها الجاموسة . خطوتها لا تتغير ، ووجهها لا يتغير ، والنيل عن يسارها لا يتغير ، لكن المنظر عن يمينها يتغير ، تتحرك البيوت الطينية إلى الخلف وتصبح وراءها ، وتظهر أمام عينيها الحقول الخضراء کشريط طويل ممتد بطول النيل تظل سائرة بين النيل والحقول ، حركتها لا تتغير ، لكن لون السماء يتغير . ينقشع السواد شيئاً فشيئاً ، وخط الشفق الأحمر يرتفع في السماء ، مكتسباً لوناً برتقالياً زاهياً، ثم يبرز قرص الشمس من بطن الأرض ويرتفع في السماء زاحفاً ببطء ، يكشف عن نفسه جزءاً جزءاً قبل أن ينتشر نور النهار وتضيء الدنيا ، تكون زكية قد وصلت إلى حقلها وربطت الجاموسة في الساقية على حافة الترعة ، وخلعت طرحتها السوداء وشمرت أكمامها ، ورفعت ذیل جلبابها وربطته حول خصرها ثم حملت الفأس وبدأت تفتح الأرض.
يرن صوت فأسها في الحقول المجاورة قوياً ثابتاً ، وعضلات ذراعيها قوية مشدودة ، وجلبابها منحسر عن ساقين طويلتين عضلاها قوية نافرة كعضلات رجل . وجهها لا زال طويلاً نحيلاً لكنه لم يعد شاحباً. حرقته الشمس ولوحته بسمرة قاتمة خالية من الدم . ظهرها لم يعد مرفوعاً ، ولكن عينيها لا تزالان مرفوعتين في تحد أشبه بالغضب أو غضب أشبه بالتحدي. وضربات فأسها ، کملامحها ، غاضبة متحدية للأرض . ترفع الفأس إلى أعلى ، كأنما تضرب به السماء ، ثم تهوي بنه إلى آسفل لتشق بطن الأرض.
تظل ضربات فأسها قوية ثابتة ، لا تسرع ولا تبطيء كدقات الساعة ، تقتل الزمن دون أن يقتلها ، وتكسر الأرض دون أن تنكسر ، ترن في الحقول المجاورة طول النهار بغير توقف ، حتى في وقت الظهيرة حين تتوقف فؤوس الفلاحين الرجال ساعة الغداء ، تظل ضربات زكية تدق الأرض ، والجاموسة أيضاً قد تتوقف لحظة ، وتكف الساقية عن صريرها المنتظم ، لكن فأس زكية تظل ترتفع و تنخفض وترتفع وتنخفض ترتفع الشمس في وسط السماء ، ويصبح قرصها كقطعة من الجمر الملتهب ، تخنق الهواء ، وتخنق الشجر ، ويصبح كل شيء أحمر مختنقة ، لكن وجه زكية لا يكتسب أبدا اللون الأحمر ، يتصبب منه العرق ويسيل على الأرض يروي الأرض ، ويظل بلونه الأسمر القاتم خالية من الدم، کوجه الجاموسة ، قد تحرقه الشمس فيزداد سوادة لكنه أبدا لا...
المؤلف : نوال السعداوي
القسم : روايات عربية
عددالملفات : 1
الحجم : 4.02 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات