في فقه الحضارة الإسلامية
عندما نزل الروح الأمين - جبريل عليه السلام على قلب الصادق الأمين - محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الكريم، وحياً خاتماً لسلسلة رسالات السماء إلى الأرض، كان ذلك إيذانا بانتقال الإنسانية إلى سن الرشد، وانتقال الرسالات السماوية إلى طور جديد وفريد. .
و فلم تعد الرسالات قائمة، في إعجازها، على الآيات المادية التي تدهش العقل، فتشله عن التفكير .. وإنما أصبحت المعجزة القرآنية معجزة عقلية، تستنفر العقل وتحثه على التعقل والتدبر والتفكر والتذكر، في بدء الخلق، وفي المسيرة التاريخية للخلق.. وفي الإعادة كرة أخرى.. وفي المصير. . وتؤلف بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ونحتكم إلى العقل في البرهنة على الألوهية والوحدانية والنبوات والرسالات والحساب والجزاء.. وفي التمييز بين المحكمات والمتشابهات. . فتبرا العقل مكاناً عالياً في الدين والحضارة جميعا..
ولم تعد الشريعة خاصة بقوم دون غيرهم.. ولا بزمن محدود, وإنما جاءت الشريعة الإسلامية عالمية للناس كافة.. وخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن ثم صالحة لكل زمان ومكان .. يستل الاجتهاد الفقهي والفقه المجتهد والمجدد من ثوابتها ومقاصدها وحدودها وقواعدها وروحها الأحکام المتجددة دائماً وأبداً ، والمواكبة للواقع المتغير والمصالح المستجدة عبر الزمان والمكان ..
ولم تعد الرسالة وشريعتها واقفة عند شدة الأحكام، التي استدعتها قساوة قلوب اليهود، وغلاظة عقولهم ولا واقفة عند الوصايا المغرقة في الروحانية - کرد فعل لشدة أحكام الشريعة اليهودية - كما هو الحال في البشارات الإنجيلية - وإنما جمعت الشريعة الإسلامية - اتساقاً الفطرة الإنسانية السوية بين العقل والنقل والتجربة والوجدان .. كما جمعت بين آيات الله في كتابه المسطور - الوحی القرآنی - وآياته في كتابه المنظور - تلك المبثوثة في الأنفس والآفاق - فاست، بهذه الوسطية الجامعة، نظرية جديدة وفريدة في المعرفة، سواءً في مصادر هذه المعرفة أو في سبل تحصيلها.. فكانت الشريعة الوسط، للأمة الوسط، الشهيدة والشاهدة على العالمين .. والتي وضعت - بهذه الوسطية - عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
ولم تقف هذه الشريعة الخاتمة عند إقامة شعائر الدين، ومناسك الاعتقاد،. و وصايا منظومة القيم والأخلاق في عالم الفرد المؤمن . وإنما كانت إيذانا باستدعاء الدولة لتجسيد الدين والاعتقاد والقيم والأخلاق انما مدنية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية، حتى لقد جعلت من القرآن حياة تمشي على الأرض، وشمائل وسجايا في مختلف ميادين الحياة .. كما جعلت الإسلام دين الجماعة، والرهبانية جهاد في سبيل الدين والدنيا .
ولذلك، كان نزول البلاغ القرآني. . وكان البيان النبوى لهذا البلاغ القرآنی بمثابة الحجر الذي ألقي في الماء، لتنداح من حوله دوائر «الثقافة».. «والمدنية»..و«الحضارة» ..«والإبداع» ، لا في ميادين العلوم الشرعية وحدها ، وإنما في سائر الميادين لمختلف الوان العلوم علوم الغيب والشهادة ،، والمعقول والمنقول.. والحس والوجدان القلبی... والأرض والسماء ... ومن هنا أقام الإسلام لأول مرة في تاريخ الرسالات السماوية الجوامع الخمسة التي حققت الانتماء الجامع للجماعة المؤمنة في العقيدة.. والشريعة ، والحضارة .. والأمة.. ودار الإسلام ...وكان رسول الإسلام : مبلغ الوحي.. ومبينه .. وقائد الأمة.. ومؤسس الدولة.. والحضارة.. ودار الإسلام. . وذلك لأول مرة في تاريخ الأنبياء والمرسلين. .
المؤلف : الدكتور محمد عمارة
القسم : الفكر الإسلامي
عددالملفات : 1
الحجم : 11.52 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات