ظل الريح
على كل من يملك القدر الكافي من الجنون ليستمر اليوم في كتابة الروايات، أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذراً، وبعبارة أخرى، عليه أن يكتبها بطريقة تجعلها غير قابلة لأن تروى«، هذا ما يراه الروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا. إذن، وفق هذا الروائي المثير للجدل، فإن الروايات الجيدة يصعب تلخيصها، إذ كيف توجز آلاف الكلمات، وما واکب قراءتها من انفعالات، في عدة أسطر، وإذا افترضنا جدلا أن تلخيص الحبكة الدرامية ممكن، كما هو الحال مع بعض أفلام السينما والسيناريوات، فكيف يمكن تلخيص براعة اللفة شعرية كانت أم تقريرية، وكيف يمكن أن نلخص فرادة البناء وجدته، أو تميز الأسلوب، وغيرها من عناصر الرواية الجيدة ؟ عموما، إن كان تلخيص الروايات الجيدة أمرا متعذرا، فإن محاولة مقاربتها، عن طريق التشبيه، قد تكون فكرة معقولة. مثل لوحات الفنان الهولندي المعروف بيتر بروغل ( 1525 - 1569 )، تطل علينا رواية «ظل الريح»، للكاتب الإسباني كارلوس زافون ( 1964 )، في نسختها العربية الأولى، محتشدة بشخصياتها، والدراما الخاصة بها، ومتشابكة كدغل أمازوني لا تصل الشمس إلى أرضه، أو تكاد لا تصل، لذا يحتاج أي مستشكف حقيقي، يحمل معداته، إلى قنديل للإضاءة ومنجل التفادي الأغصان المتشابكة، وقبل ذلك كله، يحتاج إلى جرعة وقائية تحسباً لأي مضاعفات قد تسببها المنعطفات الدرامية لهذه اللوحة الساحرة.
تحتشد لوحات الرسام الهولندي بعشرات الشخصيات، دون أن تكون أية واحدة منها مجرد خلفية، أو عنصرة مساندة فحسب لعنصر آخر رئيسي، بل يتجلى كل شخص في لوحات بروغل، بطلا منفردا بذاته، ومشاركا في بطولة جماعية في الوقت نفسه. يمكننا ملاحظة ذلك لوحات المعركة بين المهرجان ويوم «الصيام» ، و«ألعاب الأطفال»، و«الطريق إلى جلجثة»، حيث يستطيع المشاهد - باستخدام عدسة مكبرة رصد تفاصيل كل شخصية ضمن عشرات الشخصيات الموجودة في اللوحة، دون أن يكون أحدهم مهملاً أو مبتوراً أو ناقصاً على أي نحو، ويمكنه أيضاً - باتخاذ مسافة أبعد من اللوحة، وبالعين المجردة- رصد القرية بأكملها، بجموع بشرها وحيواناتها وزرعها وسمائها ومياهها، بوصفها وحدة فنية أكبر وأشمل. كذلك تبدو «ظل الريح»، هذه الرواية الكرنفالية الفريدة، شبيهة بلوحات بروغل وحشوده، حيث سيقابل القارئ شخصيات عديدة، تبدو كل واحدة منها جديرة بالانفراد بملف روائي كامل، كما تبدو كل واحدة منها مستكينة في موقعها الصحيح، ضمن شبكة درامية كبيرة، كبيرة فعلا، ومثيرة للحسد حيال براعة زافون في الحفاظ على خيوط اللعبة دون أن تضل الشخصية طريقها أو تشتبك بغيرها بشكل عشوائي لتكون عقدا أو نتوءاً في السرد.
رد قد يقودان إلى ضياع القارئ ويفقدانه بوصلته فلا واحدة من تلك الشخصيات جاءت زائدة عن الحاجة، أو كانت بمثابة ترهلات في جسد الحكاية، وإنما جاءت بوصفها ضرورة فنية، سينتبه لها القارئ حتماً ، لا سيما وأن الرواية تتناول حياة كاملة، ومساحة كبيرة من حيوات الأبطال، تمتد لسنوات. الحس البوليسي هذا التابل الكفيل بمنح أي قصة بعداً تشويقياً كبيراً حاضر كظل الريح كنكهة رئيسية. ثم جريمة، أو جرائم إن شئنا الدقة، ثمت محاولات لإماطة اللثام عن مساحات كبيرة من الغموض. عناصر الشرطة حاضرون - الفاسدون منهم والشرفاء- السرقات، محاولات النصب، الأختطاف، التهديد، التعذيب الأسلحة النارية.. كافة عناصر الحبكة البوليسية حاضرة بسخاء.
المؤلف : كارس زافون
القسم : روايات عالمية
عددالملفات : 1
الحجم : 7.13 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات