سجل أنا عربي
من كان سيعرف البروة شرق ساحل عكا المحتلة لولا أنها شهدت ذات ليلة من عام 1941 مولد عبقرية شعرية فذاً أتيح لها أن تملأ الدنيا وتشغل الناس على مدى خمسين عاما ونيف، كان عاشق من فلسطين تجتاز أشعاره الحدود القسرية قادمة إلى سورية أواسط الستينيات من القرن الماضي، يومها تعرفت إلى محمود درويش للمرة الأولى وأنا على دراجة عادية أنطلق بها صباح كل يوم من مدينتي إدلب باتجاه قرية صغيرة إلى جوارها عينت فيها معلمة ابتدائية إثر تخرجي في دار المعلمين بحلب وكان المذياع (الترانزستور) رفيق رحلتي الصباحية أستمتع معه بصوت المذيع المجيد لإلقاء الشعر لأنه سلسل عبقرية شعر، أقصد الأستاذ المرحوم منير الأحمد وهو ابن الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل.
كان منير، وقد نعمت بصداقته فيما بعد، يقدم برنامجه اليومي مرحبا يا صباح، وينشد فيه كل صباح قصيدة من قصائد الوطن المحتل ليعرف الجيل الجديد بالشعراء الشباب الذين يبدعون في المعتقل، كما سماهم يومذاك شاعر فلسطيني يوسف الخطيب حين قدمهم في ( ديوان الوطن المحتل ) ، وكان ذهني الشاب يومذاك صافياً مستعدا لالتقاط الشعر مشافهة حتى حفظت العديد من قصائد محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وسواهم مشافهة من منير الأحمد، وكان أعذب ما حفظت في ذاك العام الحزين ۱۹۹۷ قصيدة محمود درويش (عاشق من فلسطين) : عيونك شوكة في القلب توجعني، وأعبدها وأحميها من الريح وأغمدها وراء الليل والأوجاع، أغمدها فيشعل جرحها ضوء المصابيح...إلخ.
ثم جاءت قصيدته الشهيرة (سجل أنا عربي لتصير أغنية شعبية تؤكد ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وعروبتهم، وباتت أمنيتي أن أتعرف إلى محمود درويش شخصياً وقد امتلأت حباً له وإعجاب بشعره، وقد تحققت رغبتي بعد بضع سنين حين بدأت العمل في التلفزيون السوري وزارنا محمود دمشق في مؤتمر للكتاب العرب، وسعيت إليه وجلسنا معاً في ردهة فندق الشيراتون، ورويت له أني حفظت الكثير من أشعاره وأنا راكب على دراجة قبل سنين، فضحك وقال: لقد كنت أنا كذلك أصوغ أشعاري وأنا راكب على دراجتي وبدت علاقتنا قديمة قدم العشق الذي يجمعنا لفلسطين، التي عاشت في دمنا نحن السوريين.
وباتت خبزنا بل الدم الذي يسري في عروقنا، وبات حبنا لمحمود درويش معادلاً لحبنا لأرضنا العربية المحتلة، وقد دهش محمود حين غرق في بحر المحبة التي غمره بها الناس يوم زار دمشق للمرة الأولى، وأذكر أنه كتب يقول (أنقذونا من هذا الحب القاسي) ، لأن الناس بدؤوا يطالبونه بما يفوق طاقته الإنسانية، ويحسبون عليه حركاته وإيماءاته، ولم يقبل كثير من عشاقه تحوله إلى الحداثة التي نزع إليها بعد غنائياته الرقيقة العذبة في أوراق الزيتون وعاشق من فلسطين، فوجدوا شاعرا مختلفا في دواوينه الحداثية التي سرعان ما تفاعل معها القراء وعشاق الشعر ليجدوا عبقرية شعرية غنائية تتجدد من الزمان.
المؤلف : محمود درويش
القسم : دواوين شعرية
عددالملفات : 1
الحجم : 2.29 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات