كتب متنوعة
كوكب المسرات
سيرة ذاتية من يوميات سجين
عبر جلسة محاكمة لم تزد على العشره دقائق، وفق أجواء تذكر بتلك التي تحصل عادة في مسرحيات المجنون (جان کوكتو) حيث يختلط المعقول باللامعقول، الخيال في الحقيقة، الكوميديا بالتراجيديا، أبطالها خليط عجيب، وغير متجانس من قضاة ومحامين وشهود ومدعين، ومدعى عليهم، من رجال ونساء وأطفال أيضاً ، تكتظ بهم بناية المحكمة على ضخامتها الى أقصاها، ولأن البناية من دون فناء داخلي، غرف فقط وممرات ضيقة وقصيرة ومنخفضة وشبه مظلمة، لذا تكرم جمهور الحضور، سواء جالسين على البلاط القذر، او مقرفصين، يثرثرون، ويدخنون من دون انقطاع ويسعلون ويبصقون بين أقدامهم، ويتشاجرون وهم يرمون بعضهم بالكلام الخشن الجارح. أو يتكتون على الجدران، أما من لم يجدوا مكانا، فقد تجمهروا على السلالم. او خارج البناية. عند بوابتها الرئيسة، أو امام مکاتب تحرير الشكاوى والالتماسات والاستنساخ وبيع الطوابع، وقد ازداد اللغط، وازدادت المماحكات، وفي كل لحظة يرتفع صوت ما مستنكرا، أو مهددة، أو متوعدة خصمه بأشنع العقاب، فيرد عليه الأخر بدوره بلهجة أقسی، ووعيد أشد..
ولأن العراقيين على وجه العموم لا يجيدون لغة الحوار الهادئ البناء في حسم منازعاتهم التي في معظمها، بسيطة وسخيفة أيضا، منازعات المجتمعات الزراعية، لذا تراهم يعمدون، بعد حوارات متشنجة، قصيرة، ومرتبكة الى استعمال أيديهم، المحامون وحدهم يبدون وسط المشهد المضطرم، منتعشين، أنيقين، ومعطرین ومرفوعي الهام، يحمل كل واحد منهم على ذراعه، رداء المحاماة الأسود المکوی وباليد الأخرى، حقائب أنيقة من النوع المسمى (بالدبلوماسية) وهم من دون دبلوماسية غير دبلوماسية كسب الدعاوی. باي طريقة ممكنة، قانونية أم غير قانونية فرحهم واضح، وسعادتهم كبيرة لما يدور في الشوارع ومحلات العمل، والبيوت من خلافات ما عاد احد بقادر على إحصانها، فضلا عن فرزها، يجعلهم مطمئنين على حاضر ومستقبل مهنتهم الكاسدة، وقد أصبحت، دجاجة تبيض ذهبا كما يقول المثل. ذلك أنه مثلما تزدهر في الحروب مهن المكفنين وحفاري القبور، والمزورين والقوالات، وجاري التوابيت، ونقاشي الشواهد المرمرية، فضلا عن مؤجري خيام العزاء، وأواني الطعام، وعمال توزيع القهوة والسجاير والماء على جمهور المعزين وغير ذلك، تبرز على نحو واضح في الظروف العامة المضطربة، مهن أخرى لعل في مقدمتها مهنة المحاماة، والقضاة، والمستعدين لتقديم شهادات الزور مقابل أجر معين، وهكذا وهكذا.
كانت أصوات المنادين على أصحاب الدعارى، ومحاميهم، سوكلائهم، وشهودهم تتردد في الممرات بطريقة منغمة، تدعو الى الضحك أكثر مما تدعو الى شيء آخر، فيهب المنادي عليهم من أماكنهم كالمضروبين فجأة على رؤوسهم، وقد أطفأوا سجائرهم بسرعة تحت أقدامهم. وأصفرت وجوههم، وتيبست أفواههم، وتشنجت مفاصل أرجلهم البريء منهم، والمذنب على حد سواء.
المؤلف : محمد سعدون السباهي
القسم : كتب متنوعة
عددالملفات : 1
الحجم : 3.84 MB
يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى

إرسال تعليق
0 تعليقات