الحلقة الجحيمية التي تكرر نفسها


هنالك هوس خبيث يمكن أن يصيب دماغك؛ بل يمكنه، إذا سمحت له، أن يجعلك معتوها تماما. إن كان ما سأقوله الآن يبدو مألوفا لك، فأخبرني. ينتابك القلق في ما يتعلق بمواجهة شيء ما في حياتك. ثم يجعلك هذا القلق عاجزا عن فعل أي شيء، وتبدأ التساؤل عن سبب قلقك هذا. أنت تصير الآن قلقا بخصوص ما يتعلق بقلقك. أوه، لا! إنه قلق مزدوج، مکررا أنتالآن قلق بخصوص ما يتعلق بقلقك؛ وهذا ما يسبب ولك مزيدا من القلق. أسرع... أين الويسكي؟


أو لنقل إن لديك مشكلة غضب. ينتابك الغضب بسبب أشياء شديدة الغباء، بسبب أشياء شديدة التفاهة؛ ولا فكرة لديك أبدا عما يجعلك غاضبا هكذا. ثم يبدأ إدراك حقيقة أنك تغضب بسهولة إلى هذه الدرجة يسبب لك انزعاجا وغضبا أكثر من ذي قبل. ثم تدرك في غمرة غضبك الشديد ذاك أن غضبك الدائم هذا يجعلك شخصا ضحلا لئيما. وأنت تكره هذا كثيرا ! أنت تكرهه إلى حد يجعلك غاضبا من نفسك أيضا. انظر إلى نفسك الآن. أنت غاضب من نفسك لأنك تغضب من غضبك. اللعنة عليك أيها الجدار... خذ هذه اللكمة ! آخ... يدي!


أو أنك تكون شديد القلق طيلة الوقت بخصوص ما يتعلق بفعل الشيء الصحيح إلى حد يجعل قلقك هذا مصدر قلق جديد لك. أو أن الديك إحساسا شديدا بالذنب نتيجة كل غلطة ترتكبها إلى حد يجعلك تبدأ الإحساس بالذنب تجاه نفسك لأن لديك هذا الإحساس بالذنب كله. أو أنك تجد نفسك مرات كثيرة شخصا حزينا وحيدا إلى حد يجعلك تشعر بحزن أكبر ووحدة أشد لمجرد التفكير في هذا الأمر.


اهلا بك إلى الحلقة الجحيمية التي تكرر نفسها !.. من المحتمل تماما أنك وجدت نفسك هذه الحلقة عدة حبیس مرات من قبل. بل لعلك واقع فيها الآن، في هذه اللحظة: «يا إلهي، إنني أقع في الحلقة الجحيمية التي تكرر نفسها طيلة الوقت... كم أنا فاشل لأن هذا يحدث لي دائما علي أن أتوقف آه، يا إلهي، أحس نفسي شخصا فاشلا تماما لأنني أدعو نفسي فاشلا. يجب أن أتوقف عن إطلاق هذه الصفة على نفسي. آوه، اللعنة على كل شيء! إنني أفعلها من جديد! ألا ترون أنني شخص فاشل! يا للهول!». 

اهدأ يا صديقي. اسمع، ثم لك أن تصدق أو لا تصدق: هذا جزء من جمال أن تكون إنسانا. سوف أقول لك قبل كل شيء: قليلة جدا هي الحيوانات التي تمتلك قدرة على التفكير في أشياء تقنع نفسها بها؛ وأما نحن البشر فلدينا رفاهية قدرة امتلاك أفكار عن أفكارنا. وهكذا، فإنني قادر على التفكير في مشاهدة بعض الفيديوهات على يوتيوب، ثم أبدأ التفكير مباشرة في أنني شخص مختل عقليا لأنني أريد أن أرى تلك الفيديوهات على يوتيوب. أوه، إنها أعجوبة العقل البشري!


ها هي مشكلتنا الآن: إن مجتمعنا اليوم، من خلال الأعاجيب التي تفعلها بنا ثقافة الاستهلاك ورسائل من قبيل «انظر... حياتي أجمل من حياتك التي مطرنا بها وسائط التواصل الاجتماعي، قد أنتج جيلا کاملا من الناس الذين يظنون أن امتلاك هذه التعابير السلبية - القلق، والخوف، والإحساس بالذنب، إلخ - أمر غير جيد على الإطلاق. ما أعنيه هو أنك إذا نظرت إلى ما يأتيك عبر فيسبوك، فأنت تجد أن كل شخص في العالم يعيش وقتا رائعا! انظر. . . تزوج ثمانية أشخاص هذا الأسبوع! وقد ظهرت على التلفزة فتاة في السادسة عشرة من عمرها حصلت على سيارة فيراري هدية في عيد ميلادها. وهنالك طفل آخر کسب مليوني دولار لأنه اخترع تطبيقا يزودك أوتوماتيكيا بمزيد من ورق المرحاض إذا نفذ ما لديك منه.


أما أنت، فإنك جالس في بيتك تنظف أسنان قطتك. لا يمكنك التفكير عند ذلك إلا في وأن حياتك بائسة، بل إنك تراها بائسة أكثر حتى أكثر مما كنت تظن لقد صارت «الحلقة الجحيمية التي تکر ر نفسها» جائحة متفشية في كل مكان؛ وهي تجعل الكثيرين منا واقعين تحت ضغط نفسي زائد، تجعلهم متوتريا الأعصاب كثيرا، وتجعلهم يكرهون أنفسهم إلى حد مبالغ فيه.

في أيام أجدادنا، كان الجد يمر بحالة سيئة فيقول في نفسه: «اللعنة على هذا كله من المؤكد أنني أشعر اليوم كما لو أنني روث بقرة، لا أكثر. لكن، وماذا؟ أظن أن الحياة هكذا. فأعد إلى جرف القش ». وأما نحن، فماذا لدينا الآن؟ الآن... إذا انتابك شعور سيء تجاه نفسك، ولو مدة خمس دقائق فقط، فإنك تجد نفسك على الفور أمام مئات الصور لأشخاص سعداء تماما يعيشون حياة مدهشة إلى أقصى حد. ويصير من المستحيل أن ترد عن نفسك الإحساس بأن فيك بالتأكيد أشياء غير صحيحة حتى يكون وضعك أقل منهم.


هذا الجزء الأخير هو ما يجعلنا نعاني. نشعر بالسوء لأننا نشعر بالسوء. ونشعر بالذنب لأننا نشعر بالذنب. ونغضب لأننا نشعر بالغضب. ونقلق لأننا نشعر بالقلق. أف... ما هي مشكلتي؟ هذا ما يجعل «اللامبالاة» أمرا حسنا. هذا ما يجعل عدم الإفراط في الاهتمام هو ما سينقذ العالم. وسوف تنقذه أنت من خلال قبولك أن العالم مكان . وأن هذا شيء لا بأس به لأن العالم كان هكذا على الدوام، ولأنه سيظل هكذا على الدوام. من خلال عدم اكتراثك بأن يكون لديك شعور سيء، فإنك تبطل مفعول تلك الحلقة الجحيمية التي تكرر نفسها». أنت تقول لنفسك الدي إحساس سيء! حسنا ما أهمية هذا؟» ثم، وكأن أحدا رشك بمسحوق اللامبالاة السحري، تجد أنك قد توقفت عن كره نفسك لأنك تشعر بهذا السوء كله.

لقد قال جورج أورويل إن قدرة المرء على رؤية ما هو أمام أنفه تماما في حاجة إلى نضال مستمر. حسن جدا؛ إن الحل لقلقنا وتوترنا موجود أمام أنوفنا تماما، لكننا منشغلون عنه بمشاهدة الأفلام الإباحية والإعلانات عن آلات اللياقة البدنية التي لا نفع منها إلى حد يجعلنا غير قادرين على رؤية ذلك الحل لأننا نمضي أوقاتنا في التساؤل عن السبب الذي يجعلنا غير قادرين على لفت أنظار فتاة شقراء مثيرة بعضلات بطوننا المشدودة.


تبادل عبر الإنترنت نکانا عن مشکلات العالم الأول»، لكننا صرنا ضحايا نجاحنا في حقيقة الأمر. المشكلات الصحية الناجمة عن الشدة النفسية، واضطرابات القلق، وحالات الاكتئاب التي شهدت زيادة صاروخية خلال ثلاثين عاما مضت رغم أن كلا منا صارت لديه شاشة تلفزيون مسطحة، وصار قادرا على طلب مشترياته إلى البيت. لم تعد أزمتنا مادية، بل هي أزمة وجودية، أزمة روحية. لدينا كثرة زائدة إلى حد يجعلنا غير عارفين بالشيء الذي يجب أن نمنحه اهتمامنا.


المؤلف : مارك مانسون

 القسم : تنمية بشرية 

 عددالملفات : 1

 الحجم : 3.46 MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى