تتعلق ببدايات متابعتي لفكر الدكتور نصر، وتعرفي عليه .. وكان ذلك قبل سنوات من قضية ترقيته إلى درجة أستاذ، والاعتراض عليها ، وما ثار حول ذلك من عراك... فلقد ذهبت ، ذات مساء، لأداء واجب العزاء ، في وفاة أحد المعارف، من القيادات الماركسية للحركة الشيوعية المصرية، في دار المناسبات الملحقة بجامع عمر مکرم، بوسط القاهرة .. وكان يجلس بجواري الصديق العزيز، والقطب الماركسي المعروف، الأستاذ محمود أمين العالم . 


وفي أثناء تبادلنا لأطراف من الحديث ، تقدم منا شاب لا أعرفه ، فحيانا وصافح الأستاذ العالم ، ثم صافحنی، وانصرف عائدا إلى مكانه .. وعلق الأستاذ العالم وهو يحدثني - ويشير إلى هذا الشاب - معرفا إيای به فقال : الدكتور نصر أبو زيد .. أحسن من محلل «النص» ولما كانت شهرة الأستاذ العالم ، كناقد أدبی، تنافس - بل وتتفوق على - شهرته كمنظر للماركسية ، ولأني لم أتوقع أن يطلق أحد على القرآن الكريم مصطلح النص، لشيوع هذا المصطلح في حقل الإبداع الأدبي والدراسات النقدية الأدبية النص المسرحي .. والنص الروائی .. والنص الشعري إلخ ... فلقد حسبت أن الدكتور نصر أبو زيد واحد من النقاد الجدد الذين لم أتابع أعمالهم النقدية في حقل الآداب والفنون . . ولأني خبير قديم بالماركسية والماركسيين - لغة .. وفكر .. ومارسة .. وأساليب عمل . . وأناط علاقات فلقد أدركت - من حديث الأستاذ العالم عن الدكتور نصر - أنه معه في الموقع الفكري والاتجاه الأيديولوجي .


ومنذ ذلك التاريخ بدأت ألتفت إلى دراسات الدكتور نصر، والتي لاحظت أنه يخص بها، أساسا، الدوريات الماركسية واليسارية.  لكنني لاحظت ، أيضا، اهتماماته الأساسية بظاهرة المد الإسلامي المعاصر، وليس بقضايا النقد والتحليل للنصوص الأدبية .. ولم أتوقف كثيرا عند هذه الملاحظة ؛ فالماركسيون العرب المعاصرون، إلا قليلاً منهم - وخاصة بعد سقوط مشروعهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - قد احترفوا حرفة التصدي للمد الإسلامي المعاصر، وأقاموا لذلك جبهة، أو بالأحرى دخلوا لذلك في الجبهة التي ضمت أعداءهم التاريخيين، من الإمبرياليين .. إلى الليبراليين.. إلى نظم العسكر، ، وحكومات وجماعات التبعية والعجز والفساد! !. .


لكن الأمر الذي أثار القلق في نفسي، وفجر لدى العديد من علامات الاستفهام، قد حدث عندما رأيت في معرض القاهرة الدولى للكتاب - مؤلف الدكتور زيد: [ مفهوم النص : دراسة في علوم القرآن ]!!.. عند ذلك ، تذكرت حديث صديقي الأستاذ محمود العالم في ليلة العزاء .. إذن ، فالنص الذي تخصص الكادر الماركسي الواعد الدكتور نصر في تحليله، هو القرآن الكريم !!..


وكان مبعث القلق، والداعی لعلامات الاستفهام، أن الماركسيين المصريين والتنظيمات الشيوعية المصرية وبخاصة تلك التي كان لها وزن ووجود في الشارع المصري - قد التزمت تاريخيا؛ بفضيلة الابتعاد عن التعرض للعقائد الدينية ، أو التحليل للمأثور الدين، بمناهج المادية الجدلية والمادية التاريخية .. وحتى في مدارس الكادر - داخل التنظيمات الشيوعية - لم يكن يدرس الإلحاد للأعضاء .. كانت تدرس المادية الجدلية والمادية التاريخية ، وكانوا يسربون الفكر المادى ليحل محل العقائد الإيرانية بطرق غير مباشرة، ويمرون سريعا على العبارات المباشرة التي تنكر الألوهية وتنتقد الدين، في أعمال مارکس ، وأنجلز ، ولينين ، وستالين ... وإذا سئلوا عنها وخاصة من الأعضاء الذين لم يلحدوا بعد قالوا : إنها خاصة بالدين المسيحي، واللاهوت الرجعي للنصرانية الأوربية ، الذي تحول إلى مبرر للاستغلال الطبقي في المجتمعات التي كتبت فيها هذه الأعمال الفكرية ... لقد تساءلت ، وأنا أقلب صفحات كتاب الدكتور نصر أبو زيد :  مفهوم النص : دراسة في علوم القرآن : هل تخلى الماركسيون المصريون عن هذا الذكاء التقليدي، وعن هذا « إلحذره التاريخى؟!.. وهل تجاوزوا الخطوط الحمراء ، التي رسموها هم لأنفسهم إزاء الدراسات الدينية، فلم يعودوا يكتفون بنقد الجماعات الإسلامية .. بلى ولا حتى مناقشة الفكرة الإسلام ... وإنا غدوا يخضعون المقدس الإسلامي» - وفي مقدمته القرآن الكريم - للتحليل الماركسی؟!. .


ومنذ ذلك التاريخ، بدأت أجمع مؤلفات الدكتور نصر، على أمل أن يتيح لى برنامج عملى فرصة لقراءتها، كما قرأ المشروع الفكري قراءة متكاملة ، علها تجيب على ما تفجر لدى من علامات استفهام ..لكن القصف الإعلامي الذي تفجر في ساحتنا الثقافية والفكرية، حول أفكار الدكتور نصر، قد سبق قراءتي لأعماله الفكرية، اللهم إلا بعض دراساته ومقالاته في بعض الدوريات الماركسية واليسارية.. ولذلك آثرت أن أقف بعيداً عن المشاركة في هذا العراك .


المؤلف : د. محمد عمارة

 القسم : كتب متنوعة 

 عددالملفات : 1

 الحجم : 1.97 MB


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى