المنطق والمعرفة عند الغزالي
أبو حامد محمد الغزالي، شخصية معروفة بكثرة التأليف والكتابة، وطالما تحدث عنه الآخرون وكتبوا فيه إيضاً . ولم يستقطب الاهتمام على صعيد العالم الاسلامي وعلى مدى قرون عديدة فحسب، وإنما هو معروف في العالم الغربي أيضاً لاسيما في أوساط المفكرين والعلماء ومن بين العوامل التي ساعدت على شهرته في العالم الغربي هي حالة الشك التي انتابته خلال فترة زمنية معينة وأدت إلى ايجاد تحول غريب في حياته. وقد تحدث هذا المفكر الكبير عن ظهور هذا الشك وافرازاته بشكل مسهب لاسيما في كتابه «المنقذ من الضلال» . وهناك العديد من الشخصيات الغربية التي أعارت إهتماماً بالغاً لشك الغزالي وشبهته بالشك الديكارتي.
وهناك من يرى أن هناك اختلافا كبيرا بين هذين الشكين اذ ان الشك الديكارتي ادى الى ظهور اسلوب وطريقة، في حين نشأ شك الغزالي بحسب الحال لا بحسب المقال على حد تعبير الغزالى نفسه. وبصرف النظر عن امكان أو عدم امکان اجراء مقارنة بين هذين النمطين من الشك، لم يرتب المفكرون في شك الغزالي، واعتبروا الآثار المترتبة عليه امرا جديرة بالدراسة.
والعامل الآخر الذي يقف خلف اشتهار الغزالي في عالم الغرب، المواقف المتشددة التي اتخذها ازاء الفلاسفة. فقد بذل قصاري جهوده في صراعه معهم واستخدم سلاح التكفير لاقصائهم عن الساحة. من الجدير بالذكر ان مناهضة الفلاسفة بالطريقة التي اتخذها الغزالي، لها الكثير من الانصار في العالم المسيحي، وكان هناك عدد لا بأس به من المفکرین المسيحيين ينسجم مع اسلوب الغزالي خلال العصور الوسطى، ويعبر عن رفضه القاطع لاسلوب الحكماء في تفسير النصوص والعقائد الدينية.
ويمكن أن يحظى الغزالي بالاهتمام أيضاً في العصر الحديث، إذا وقع عدد كبير من المفكرين الغربيين خلال القرنين الأخيرين تحت تأثير أفكار الفيلسوف الالماني المعروف عمانوئيل كانت، فترسخت في أذهانهم فكرة انغلاق باب ماوراء الطبيعة بوجه العقل النظري. واذا كان الغزالي ينظر إلى کلام الحكماء في مضمار ماوراء الطبيعة نوعاً من التهافت والاضطراب، فقد أوصد كانت باب ماوراء الطبيعة بوجه العقل النظري الى الابد قائلاً : فلابد أن يأتي اليوم الذي يأفل فيه كوكب كل فن کاذب وكل حكمة باطلة، فيهلكان نفسيهما بيديها، ويعد ذروة الازدهار بداية الانحطاط في كل منهما.
يقول كانت في الصفحة الأولى من التمهيدات هدفي أن أجعل كل اولئك الذين يرون في ماوراء الطبيعة امر يستحق الاهتام يدركون ان من المحتم عليهم التوقف عن عملهم مؤقتاً ، والنظر إلى كل ما تم على أنه غير تام، واثارة السؤال التالي: هل هناك حقاً علم باسم ماوراء الطبيعة؟ واذا كان ماوراء الطبيعة علما، فلماذا لم يحظ كباقي العلوم بقبول عام ودائم؟ واذا لم يكن علمة فلماذا يتظاهر في صورة العلم، ويعيق عمل الذهن الإنساني بالآمال التي لا تنقطع ولا تتحقق في يوم ما؟ ... ومما يجدر ذكره هو ان «کانت» لا ينكر ماوراء الطبيعة، وانما يعتقد بأن العقل النظري عاجز عن بلوغ تلك الدرجة السامية.
حجة الإسلام الغزالي يعتقد اعتقاداً راسخاً بما وراء الطبيعة، إلا انه يعتبر طريقة الحكماء والفلاسفة في بلوغه، ناقصة. والتفاوت الجوهري فيما بين الاثنين كالتالي: فحينا أعلن «كانت» عن إفلاس العقل النظري في ميدان ماوراء الطبيعة عد العقل العملي والأخلاق طريقاً وحيداً لبلوغ هذا المقام ؛ اما الغزالي فإنه في ذات الوقت الذي وصف براهين الفلاسفة بالنقص في ميدان ماوراء الطبيعة، ظل وفية لأدلته الكلامية ولم يخرج من اطار مساجلاته الكلامية. طبعاً أفرد الغزالي أهم مؤلفاته في كتاب إحياء علوم الدين لتناول الأخلاق، غير أن هناك فاصلاً بعيد بين الأخلاق التي بحثها هذا المفكر الاسلامي والأخلاق التي سعى «كانت« للبرهنة عليها.
ولسنا بصدد التحدث عن الاخلاق من وجهة نظر الغزالي، وانا نحن في معرض الحديث عن موقف الغزالي ازاء كل من العقل والمنطق. ولا يخفى على أحد أن الغزالي بتأليفه لكتاب تهافت «الفلاسفة» قد وجه صفعة قوية للفلسفة أدت الى انطفاء مصباح الحكمة والفلسفة في كثير من البلدان الإسلامية يعتقد الكثير من المستشرقين أن الفلسفة قد لملمت أذيالها ورحلت من العالم الاسلامي بعد الموقف الذي اتخذه الغزالي؛ ولم تكن الجهود التي بذلها «ابن رشد» في الدفاع عنها سوى جهود عقيمة والسؤال الذي لابد أن يثار هو: ما هو نمط المعارضة التي عارض بها الغزالي الفلاسفة؟ وهل بمستطاع النقد أو التشكيك الموجه الفكر ما أن يوقف حركة هذا الفكر، وينتزعه من ميدان الحياة، ام ينظر إلى مثل هذا التشكيك كفكرة جديدة تلعب دورا في مسار تكامل الأفكار؟.
البعض يرى أن كتاب «تهافت الفلاسفة» الذي كتبه الغزالي، وان كان كتابة مضاد للفلسفة من حيث الهدف الذي كتب من أجله، إلا انه يعد كتاباً فلسفياً من حيث الموضوع والمحتوى. وعليه لابد من الاستعانة بالفلسفة للرد على الفلسفة وليس بالمستطاع الخروج لحربها بأسلحة غير فلسفية.
وينطبق هذا الكلام على الوضعيين الجدد، لأن هؤلاء ومن اجل أن ينجحوا في رفض الفلسفة، لابد لهم من اتخاذ موقف فلسفي، وقد قيل فيهم: «هؤلاء فلاسفة يفتخرون في أنهم غير فلاسفة»؟ ويرى البعض الآخر أن الفكر الفلسفي حي بقوة السؤال. أي حينما لا يوجد السؤال لا توجد الفلسفة. وتاريخ الفكر الفلسفي عاج بالأسئلة والأجوبة. وحينا تراجع الكتب الفلسفية، نجد أن الذي يستقطب الاهتمام قبل أي شيء آخر، هو النقد والتشكيك.
أرسطو مثلا ورغم كل الاحترام الذي كان يكنه لأفلاطون، وجه انتقاد شديدة لنظريته في مضمار المثل وأرباب الانواع. فهذا الانتقاد وان كان بمثابة رفض القضية فلسفية مهمة، إلا أنه في الحقيقة خطوة جديدة باتجاه فكرة فلسفية جديدة. وعليه يمكن القول: لو كان أرسطو قد أخذ بنظرية المثل الافلاطونية ولم يلجأ إلى نقدها، لما ظل هناك طريق لاكتشاف نظرية اخرى تحل محل نظرية المثل وهكذا يمكن أن نقول بأن الشكوك التي أثارها الغزالي حول صحة المسائل الفلسفية لا تتعارض مع امتلاكه لموقف فلسفي ما. وما يمكن أن يعزز هذا القول هو أنه قد ذكر في كتابه تهافت الفلاسفة و أن السبب في مخالفته للحكماء هو عدم وفائهم للمنطق.
ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس وفي قسم البرهان من المنطق وما وضعوه من الأوضاع في ايساغوجي وقاطيغوریاس لم يتمكنوا من الوفاء بشيء منه في علومهم والأمر الذي يحظى بالأهمية هو أن صدر المتألهين الشيرازي عد الغزالي على خطى الحكماء. وقال بأن تكفيره لهم في كتابه «تهافت الفلاسفة» ، كان من باب التقية والخوف من العلماء الظاهريين.
المؤلف : غلام حسين ديناني
القسم : منطق وفلسفة
عددالملفات : 1
الحجم : 9.69 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات