اللوح الأزرق
أسمع شكاوى تخرج من باطن الأرض (دموع إسبانيا)
طليطلة، أواخر الشهر الرابع من سنة ١٤٨٧. كانت الشمس قد علت الكاتدرائية وألقت على ساحة سوق الغبار المكتظة بأكياس الحبوب شبكتها ذات الخيوط الرفيعة المشربة بحمرة الدم. تحرك فراي هرناندو در تالافيرا معرف جلالة الملكة إيزابيل سيدة قشتالة مداعباً بيده لحيته المذبية التي وخطها الشيب وانحنى يهمس في أذن المرأة الجالسة إلى جانبه محاذراً أن يلفت الانتباه. لا شك أنه ليس أول إعدام بالحرق دونا فيفيرو؟ - بل هو الأول. لم أقبل سابقاً حضور مثل هذا الحفل على الرغم من الدعوات العديدة، ولولا إصرار جلالتها على أن أحضر اليوم نيابة عنها لكنت قد. . .
غطى قرع أجراس الكاتدرائية والكنائس المجاورة على بقية الكلمات . إنه الموكب يتقدم من وسط الساحة . كان الصليب أول ما يلفت النظر . صليب ضخم مغطى بقماش من الحرير المموج. عرش جيوش الآلهة وعربتها فوق ظهور الرهبان الدومينيكيين التابعين للدير الملكي. كان المتعودون على مثل هذه المناسبات يعرفون جيداً لون الصليب الأخضر الداكن الذي لن يكشف عنه إلا لحظة طقس الغفران المهيب . ومن خلفه توالی جنود يعتمرون خوذات ويحملون حراباً في شكل فؤوس ومن ورائهم لاح رهبان مقلنسون وقساوسة يرددون مدائح الرب. في انضباط شديد أخذ وجهاء البلاط ورؤساء الكنيسة يتقدمون في موكبين متوازيين وفي نظام محكم : القضاة أمام المفتش العام والكهنة القانونيون أمام العميد وأمام هؤلاء أعضاء مجلس القضاء. في حين لاح المدعي العام وهو يحمل اللواء متمثلا في مستطيل من التفتا قرمزي اللون مزخرف بدنتيلاً وشراريب فضية مطبوع عليه شعار ديوان التفتيش : راية الإيمان .
كان الأئمون يفتتحون المسيرة. قرابة المائة تقاطروا محشورين في عباءاتهـم الـصـوفية ذات اللون الأصفر الزعفراني وقد علت رؤوسهم طاقياتهم المديبة وارتجفت في أيديهم الشموع . أما الجموع فقد تدافع أغلبها بالمناكب على جانبي الموكب في محاولة للتسلل إلى المكان المخصص لعلية القوم حيث اجتمع كل ما كانت طليطلة تملك من نبلاء ووجهاء، في منتصف المسافة الفاصلة بين المدرج والمنبر أقيمت منصة محاطة بالقضبان. هناك في ذاك القفص سيقف المحكوم عليهم على مرأى ومسمع من الجميع حيث لن تفوت أحدا شاردة أو واردة من ردود أفعالهم تعبيراً عن الخزي أو الألم أو الندم .
اقترب بعض الوصفاء من مكان المقارئ فوضعوا على أحدها الصندوق الذي حفظت فيه نصوص الأحكام بينما خصص مقرأ آخر لحمل الكتونة والبطرشل في طبقين كبيرين من المعدن الثمين. فجأة ارتفع صوت كاهن يحمل الصليب في يد وكتاب القداس في الأخرى : نحن المفتش العام والولاة ورجال الشرطة والفرسان والقضاة ووجهاء طليطلة، هذه المدينة الماجدة، وأبناء المسيح الحقيقيون الأوفياء.
المؤلف : جيلبرت سينويه
القسم : روايات عالمية
عددالملفات : 1
الحجم : 7.60 MB
إرسال تعليق
0 تعليقات