سبع سنوات
كعادتها، كانت سونيا تقف في منتصف الصالة المضاءة وهي تخفض رأسها، وتسبل ذراعيها إلى جوار جسدها، والابتسامة ترتسم على شفتيها. كانت تزوي ما بين عينيها وكان النور قد بهرهما، أو كأنهما تعانيان من الألم وقد بدت غائبة، شأنها شأن اللوحات المعلقة على الحائط، التي لا يعيرها أحد اهتمامه وإن ظلت تشكل الباعث لقدوم الناس. كنت أدخن السيجار وأنا أرقب، من خلال نافذة صالة الغاليري كيف يتقدم رجل وسيم نحوها، ويتبادل أطراف الأحاديث معها. بدت وكأنها تصحو، ابتسمت وهي تقترب منه، حرك الرجل شفتيه فارتسمت ملامح دهشة طفولية على وجهها ، ابتسمت ثانية وكنت ألحظ، وأنا أقف بعيدا أنها لم تكن تصغي للرجل، وأن ذهنها منشغل بأمور أخرى.
وقفت صوفي إلى جواري وبدت، هي الأخرى، مستغرقة في التأمل. ثم قالت: أمي هي أجمل امرأة في العالم. أجل. قلت وأنا أربت على رأسها، هذا صحيح، و فأمك أجمل امرأة في العالم. منذ الصباح، والثلج يتساقط، لكنه يذوب في اللحظة، التي يلامس الأرض فيها، قالت صوفي، وهي تتسل إلى داخل صالة العرض، من خلال الباب المفتوح، بأنها تشعر بالبرد. غادر الغاليري رجل ضخم، أصلع الرأس، وهو يضع سيجارته في فمه. وقف الرجل إلى جواري على نحو مزعج، وهو يدخن، وكان بيننا سابق معرفة. إنها لوحات قبيحة. قال الرجل. وعندما لم ارد، استدار ومضى غير بعيد عني، وبدا غير واثق وضائعا على نحو مفاجئ.
بقيت واقفا وأنا أتأمل، وأطل صوب سونيا، التي أشرق وجهها، فأصيب الرجل، الذي يقف إلى جوارها ببعض الارتباك، وتعامل مع صوفي بشيء من الإهمال. انحنت سونيا على صوفي، وشرعتا تتحدثان للحظات. أشارت صوفي بعد ذلك إلى الخارج. غطت سونيا عينيها براحتي يديها وأخذت تتطلعه صوبي، بجبين متغضن وابتسامة مرتبكة، كنت على شيء من الثقة، أنها لا تستطيع أن تراني في الظلمة. بعدها همست سونيا في أذن صوفي وقادتها نحو الباب. شعرت، للحظات، بأن شيئا يدفعني کي أفر مع الناس القادمين من أماكن عملهم، الذين أشاهدهم، وهم يندفعون خارج صالة العرض. كانوا يلقون نظرة عجلى على الرجل الأنيق الملبس ويمضون سريعا ليذوبوا في خضم الجموع الذاهبين إلى بيوتهم.
لم أر أنتشه منذ ما يقرب من عشرين عاما، ومع ذلك فقد عرفتها على الفور، ينبغي أن تكون في الستين من عمرها، لكن وجهها ما يزال شابا إلى اليوم. قالت وهي تقبلني فوق خدي: أخيرا. وقبل أن أتمكن من الإجابة، شاهدت معها شابا له لحية صغيرة مضحكة. همس الشاب في أذنها، وأبعدها عني، وهو يضع ذراعه بذراعها. قادها الشاب نحو الرجل ذي البدلة السوداء، الذي سبق لي أن شاهدت وجهه في الصحيفة. انتحث صوفيا جانبا بالرجل، الذي سبق له أن سار مع سونيا، وتحدثا معا حديثا أوقعه في حيرة، استمعث سونيا إلى الحديث ضاحكة، لكنني كنت أشعر أن أفكارها في مكان آخر.
اتجهت صوبها ووضع يدي على خصرها، وأنا استمتع بنظرة الحسد في عيني الرجل الآخر، الذي سأل صوفي عن عمرها. کم تظن؟ سألته فبدت على وجهه سيماء التفكير ورد قائلا: اثنتا عشرة سنة فأوضحت سونيا أنها في العاشرة. لكن صوفي قالت للرجل: أنت مبتذل. فرد الرجل: ما أشد شبهك بأمك! فشكرته صوفي بانحناءة وهي تقول إنها أجمل امرأة في العالم. وبدت وكأنها تستوعب هذا، الذي يحدث أمامها. تساءلت سونيا إن كان يزعجنا أن تغادر هي وصوفي قبلنا، موضحة أن أنتشه ستبقي حتى الختام. رجوتها أن توصل صوفي إلى البيت؛ التتمكن من السهر معنا، لكن سونيا هزت رأسها، وأعلنت أنها متعبة تماما. فقد توجب عليها أن تعمل هي وأنتشه طيلة الأسبوع.
طلبت صوفي من المعجب بها أن يحضر لها كأسا من عصير البرتقال، الذي سأل إن كان هناك من يرغب في شرب شيء. فطلبت منه أن يتوقف عن الاسئلة . وأضافت سونيا، وهي تعض على شفتيها، وتنظر نحو الأرض للحظات ثم تحدق في، بأن عليه أن يقتصر على ما طلب منه، لكنني بدوت وكأنني لم أستمع إلى ما قالت. أعلنت سونيا، وهي تقبلني على فمي قبلة خاطفة، أنها ستذهب هي وصوفي، وطلبت مني أن لا أحدث جلبة عندما أعود أنا وأنتشه إلى المنزل. بدأ الناس يغادرون صالة العرض، لكن الأمر أحتاج إلى بعض الوقت حتى غادرها الجميع، ولم يعد في النهاية إلا أنا وأنتشه ورجل عجوز لم تقدمه لي.
كانا يقفان متجاورين أمام إحدى ال لوحات، ويتحدثان بصوت منخفض. ابتعد عنهما على نحو آلي، وأخذت أقلب قائمة الأسعار، وأنا أتأملهما من حين لآخر. ضمت أنتشه الرجل وقبلته على جبينه وشيعته إلى الباب. بعدها اتجهت صوبي وهي تقول: إنه يدعى جورج. ولقد كنت مجنونة به ذات يوم. ثم ضحكت وهي تقول إنها مسألة عصية على الفهم. أليس كذلك؟ كان هذا قبل قرن من الزمان! اتجهت صوب البار، وأحضر كأسين مملوءين بالنبيذ الأحمر، وقدمت لي كأسا منهما. فهززت رأسي رافضة، موضحة أنني لن أشرب المزيد. ابتسمت بارتياب واحتست كأسها بجرعة واحدة وهي تقول لي: إنها على استعداد للذهاب.
المؤلف : بيتر شتام
القسم : روايات عالمية
عددالملفات : 1
الحجم : 3.97 MB

إرسال تعليق
0 تعليقات