بعد أن مر الفان من السنين على التمسك العنيد بالصيحة القديمة : «ليس هذا الرجل بال برأبا» قد يخيل لنا من العبث الباطل ان نخوض في الموضوع. مع هذا ، فالأمر يبدو وكأن الفشل والأخفاق حليف برابا وان ظلت يده اليمنى قوية باطشة وبقيت امبراطوريته وانتصاراته وملايينه ومبادئه الخلقية وبيعه ودساتيره السياسية قائمة . هذا الرجل لم يمن بالاخفاق في الواقع ، غير أن العقول لم تبلغ بعد النضج الكافي لتجريب طريقته ، على أنه كسب نصرا عجيبا واحدا وهو سرقته اسم «يسوع المسيح»  واتخاذه صليبه علماً وشعاراً . 


ان في هذا نوعاً من التكريم بل نوعاً من ولاء يشبه ولاء قاطع الطريق الذي يخرق كل قانون ثم يدعي بأنه مواطن مخلص من رعايا ذلك الملك الذي قام بسن تلك القوانين المخروقة . لقد كان يلازمنا دوماً ، شعور غريب بأننا وان صلذنا المسيح على عود فأنه استطاع بشكل ما ، أن يقبض على النهاية الصحيحة منه  وانه لما كان افضل منا فعلینا ان نحاول تطبيق مبادئه، وفي هذا المجال جرت محاولة شاذة أو محاولتان اقدم عليهما أناس تنقصهم الكفاءة ، مثل قيام «شيعة مملكة» الله في مونستر  ، تلك المحاولة التي انتهت بعملية صلب اشد وحشية من تلك التي وقعت في قلفاري حتى ان الاسقف الذي تقمص في تلك العملية دور (حنَّان) ، عاد الى بيته ومات من فرط الرعب على أن هناك رجالا ذوي مسؤولية وحول أمسكوا ، ولم يقوموا بمحاولات كهذه المحاولة ! ان هذا العالم القادر الممتلىء بالكفايات والكثير المال بقي منذ عملية الصلب حتى يومنا هذا ( برابياً ) لا مسيحياً . 


ولم توضع عقيدة المسيح الخاصة طوال هذا الزمن موضع تطبيق سياسي او اجتماعي شاملين . اني لست بأكثر مسيحية من بيلاطس او مما كنت انت ايها القارىء الكريم ، ومع هذا فأنا افضل يسوع على حنان وقيافا تفضيلاً عظيماً لا يمكن قياسه . وأنا على استعداد للاقرار والتسليم بعد أن تأملت الدنيا وطبائع البشر حوالي ستين عاماً بالا طریق هناك للخلاص من الشقاء البشري الا الطريق التي كانت ستجدها ارادة المسيح على الأرجح لو ان شاء الاضطلاع بمهمة السياسي المعصري الواقعي . أرجو منك ايه القارىء الا يفرغ صبرك مني عند هذه النقطة الأولية: فتقفل کتابی وتقذف به جانباً : اؤكد لك اني مفكر علمي المنجى عصري النهم مرتاب بقدر ما تشتهي وتحبه ولك مني ضمان إيضاً بأن لي الماماً كافياً بالاقتصاد ، والسياسة ، المام يزيد كثيراً عما کان ليسوع منهما ولتطمئن إيضاً بأن في امكاني عمل اشياء  يستطيعها هو . اني بحسب كل المقاييس والبرابية اعلی مقام واثبت خلقاً واكثر غنى بالشعور العملي منه . 


اني لا اكن عطف للمتشردین ولا لمن يتحدث لأجلهم إيضاً . ولو كنت بيلاطس لوجب علي أن أدرك بأوضح مما أدرك هو ، ضرورة تخفيف الهجمات على النظام الاجتماعي الحالي مهما بلغ ذلك النظام من التفسخ، الهجمات التي يشنها أناس لا علم لهم بأصول الحكم ولا قدرة لهم على بناء ماكنة سياسية تطبق أراءهم . اناس يعملون بوحي الوهم الخطر القائل بأن نهاية العالم موشكة . اني لا أدافع عن سافونارولا ،  ولا جون الليدني ، فهؤلاء ثقبوا السفينة قبل ان يتعلموا بناء رمث فبات من الضروري قذفهم الى البحر الانقاذ البحارة. اقول هذا لأضع نفسي في موضع صحیح بين مجتمع محترم من البشر . ولكن ينبغي لي البقاء مصرا على قولي بأنه اذا كان بوسع يسوع حل المشاكل العملية بدستور اشتراكي، وشريعة مسنونة مقننة ، تهدف الى معالجة اجتماعية خالية من روح الانتقام ومن العقاب ، وبالاعتراف الكامل من الانسانية جمعاء بالمسؤولية الالهية فان مبادئه الممتازة تلك ستكون هي الاقتصاد المنسجم مع العقل السليم. 


لان انسانية يسوع الشعبية وخضوعه لطرفي الزمان والمكان راعني قبوله طراز الحياة السورية السائدة حينذاك أغرقت عقيدته في كثير مما هو غير حقيقي ، ومما هو خیالی حتى بات لا تميزه بأي شكل من الأشكال عن أي من أولئك السريان ذوي اللحى ! على آن أمثال هذه العقائد ذات الصفات العامة لا تستبطن مسيحية مخصوصة« أكثر من ارخاء لحية ، والاشتغال في دكان نجارة ، أو من الاعتقاد بأن الأرض مسطحة وان النجوم قد تسقط عليها كالوابل الهتن ! ان المسيحية تجتذب الآن اهتمام السياسة العمليين ، بسبب احتوائها تلاع العقائد التي ميزت المسيح عن اليهود وعن «البرابيين » عموما ونحن من جملتهم !.


المؤلف : جورج برنارد شو 

 القسم : كتب متنوعة 

عددالملفات : 1

 الحجم : 2.40 MB 


يتم إعداد رابط التحميل10 ثوانى